"يابني، لقد اختلف الزمن.. انتهى جيل أم كلثوم وعبدالحليم حافظ والناس التي تجلس لأوقات طويلة لتستمع للألحان والقصائد، وعليك أن تختصر إذا ما أردت أن يسمعك الناس.."، هذه كانت نصيحة مشرف البرامج الإثرائية بإدارة التعليم لي عندما كنت طالباً وشاركت بقصيدة طويلة في مسابقة الإلقاء والتعبير وقتها.. مقالة اليوم تناقش العلاقة بين اختصار الوقت وقوة التأثير.

نبحر بالزمن اليوم إلى ما قبل حوالي مئة عام في 1917م في أميركا والتي كانت على الحياد تجاه الحرب العالمية الأولى خلال الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الأميركي (وودرو ويسلون)، ولكن الأمر تغير بعد اكتشاف مخططات لتعاون بين المكسيك وألمانيا تستهدف أميركا.. وبناء عليه قررت الحكومة الأميركية الدخول في الحرب العالمية الأولى.

ولكن كان الشعب الأميركي بشكل عام يعارض المشاركة في الحرب أو يدعم البقاء على الحياد، وكان التحدي في كيفية حشد التأييد من أفراد الشعب الأميركي تجاه المشاركة في هذه الحرب؟

أسس الرئيس الأميركي لجنة الإعلام العامة وجعل على رأسها الصحفي (جورج كريل)، قام هذا الصحفي باستحداث منهجية جديدة أطلق عليها مسمى "رجال الدقائق الأربع"، وتتمثل الفكرة في تشكيل جيوش من المتطوعين الذين يلقون خُطباً حماسية ووطنية لمدة أربع دقائق فقط!

وحرص كريل ورجاله على استقطاب الفنانين والموسيقيين والكتاب والرموز الوطنية في الحملة، وشملت الخطة تشكيل أقسام ولجان فرعية للتأثير والتواصل عبر الرسوم المتحركة والدعاية المصورة والأخبار والأفلام ناهيك عن قسم أعمال النساء والأجانب المولودين في الولايات المتحدة الأميركية وغيرها.

كيف كانت النتيجة؟ يمكن تلخيص نتائج الحملة في النقاط التالية:

بادر خمسة وسبعون ألف متطوع للمشاركة في الحملة بإلقاء الخطب الحماسية.

تم إلقاء ما يزيد على سبعة ملايين وخمس مئة ألف خطبة قصيرة.

وصل عدد المستمعين للخطب إلى 314 مليون مستمع بمعدل ثلاث خطب قصيرة للمواطن الأميركي الواحد.

أصدرت الحكومة الأميركية ما يسمى (صكوك الحرية) لتمويل الحرب من ضمن الحملة واستطاعت هذه الصكوك أن تغطي حوالي 58 % من تكلفة الحرب.

من نتائج هذه الحملة الأيقونة الأميركية الشهيرة (العام سام) والتي غدت رمزا وطنيا ًللأميركان.

لاحظ أننا نتحدث عن فترة تاريخية من مئة سنة تقريبا حيث لا إنترنت ولا شبكات تواصل اجتماعي أو بث حي مباشر للتلفاز عبر الأقمار الصناعية. ويمكن القول إن (رجال الدقائق الأربع) لعبوا دور ما يعرف بجيوش تويتر وفيسبوك في أيامنا هذه.

وإذا كان الشعراء في العصر الجاهلي وصدر الإسلام لعبوا دور وكالات الإعلام في إيصال الرسائل ومخاطبة الجماهير، ففي القرون الأخيرة لعبت الصحف، والإذاعات، ومحطات التلفاز والمنتجات السينمائية دورها في هذا المجال، أما اليوم وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي فالأرقام والإحصائيات تقول: إن الزمن المتاح لك للفت انتباه المستخدمين والجماهير عبر الفيديوهات هو ثلاث ثوانٍ فقط!