المسرح والسينما ليسا للترفيه ولا دوراً للهو كما يعتقد البعض، وإنما هما وسيلتان ثقافيتان إعلاميتان وركيزتان من ركائز القوى الناعمة التي يجب أن تكون صناعة سعودية مكتملة الأركان تحمل الهوية والفكر لهذا الوطن الكريم..

لم يكن هذا العنوان ابن قريحتي، بل استعرته من وسائل التواصل الاجتماعي عندما أطلقه المسرحيون السعوديون، وحقيقة الأمر أنه حقق تجاوباً كبيراً بينهم عبر هذه الوسائل، ولذا وجب علينا الالتفات إلى هذا العنوان، ثم لماذا يشعر المسرحيون السعوديون بالحزن بالرغم من الاعتراف به؟ ذلك لأنه وضع في الواجهة الترفيهية ولم يكن في الواجهة الثقافية والإعلامية للأسف الشديد بالرغم من كونه كذلك!

فالمسرح يا سادة ليس مكاناً للترفيه بقدر ما هو منصة ثقافية وأخلاقية وتعليمية.. وقل ما تشاء! وهذا ما يسطره تاريخ الفن عبر العصور منذ الإغريق حتى يومنا هذا.

تاريخ الفن هو ما يوازي تاريخ السياسة؛ بل أكثر مصداقية، ولكن لعدم اهتمامنا بالفنون لم نعبأ بتاريخ الفن ولم نسبر أغواره بالرغم من اتجاهنا نحو نهضة فنية! وهذا لن يتأتى إلا بدراسة التاريخ سواء كان فناً أم سياسة أم غير ذلك. ومن لم يحسن قراءة تاريخ الفن لا يستطيع أن ينتج فناً هادفاً رائعاً مدروسًا معبراً عن بيئته، فهو مرآة الشعب وقلبه النابض، وهو ما يستخلص منه الدارسون أحوال دول وممالك عبرت! فهو الأصدق وهو العمق الوجداني إن أحسنا صنعته، عبر سيميائية لا تخطئ الكشف على الإطلاق.

مخطئ من ظن أن المسرح دار للترفيه، ومخطئ من جعل المسرح استدراراً لشباك التذاكر، وعندما اعتقدت دول وحقب قبلنا أنه كذلك هبط المسرح واسود تاريخه عبر صفحات تاريخ الفن الذي يسجل قسراً لا طواعية، مهما حاولنا الهرب منه. فالمسرح الرسمي في كل أنحاء العالم هو قطاع خدمي لا يهدف للربح، أتذكر أن مسرحية زكية زكريا على مسرح البالون قد أقفلت بالرغم من أنها كانت كامل العدد لعدة أشهر، إلا أن المسرح الرسمي قطاع خدمي لا يهدف للربح بل يهدف للمتعة الفكرية والثقافية والوجدانية الحسية وهو أمر مسلم به.

عندما اعتقدت الحضارة الرومانية أن المسرح كذلك أخفقوا في صنعه لأنه شعب كان يهتم بالألعاب الرياضية ونهضوا بها، أما المسرح فكان له صُنَّاعه من الإغريق البارعين في هذا المجال فلجأ الرومان إلى الاستقدام والاقتباس من الإغريق فسجل لنا التاريخ هذا السجل من ضعف المسرح الروماني عن سابقه!

وعندما كان المسرح في مصر للترفيه فقط ولم يكن سوى تسلية كما فيما يسمى باب الهواء بالأزبكية العام 1215م وكانوا يطلقون عليه (الكمبري) أي الكوميدي للترفيه عن جنود المماليك، حتى جاء عبدالرحمن الرافعي واستلهم التراث والسير. ولم يكتب للمسرح المصري سمة الريادة العربية إلا بصنع أبنائه مثل يعقوب صنوع وإبراهيم رمزي وعزيز عيد وفتوح نشاطي وفاطمة رشدي وغيرهم، ذلك لأن المسرح المستوفد يظل يعبر عن البيئة التي أتى منها، وذلك يذكرني بالفريق القطري الذي فاز لكنه ليس بقطري ولا يعبر عن نهضة قطر ولا عن صناعة الرياضة فيها، فالنصر والتاريخ ينبت في طينته وليس في طينة أخرى! فالمسرح المصري وصل للريادة هذه عندما أسس جورج أبيض فرقته وكذلك يوسف وهبي، رواد عمالقة مصريون صنعوا تاريخ المسرح على علم وفن ودراسة بعد عودتهم من فرنسا وإيطاليا فجعلوا المسرح المصري على مستوى المسرح العالمي حينها، وكذلك السينما التي توازت مع السينما الأميركية آنذلك. وبالرغم من سابقيهم مثل مسرح مارون النقاش وسليم النقاش حين جاءا ليقدما المسرح في مصر سنة 1876م وكان يمكن أن يظل المسرح في مصر لبنانياً بالرغم من رزحه في مصر ولكن غيرة الفنانين العظام على تاريخهم جعلتهم يصنعونه بأيديهم لكي ينسب إليهم.

لا لوم على من اعتقد أن وظيفة المسرح للترفيه فقط، وهذا الفهم الخاطئ والذي تسبب في تلك النظرة الدونية له ولصُنَّاعه من المجتمع السعودي؛ ذلك لأنه كان يكتب على ملاهي شارع الهرم وقاعات الاحتفالات والأفراح (مسرح) ولهذا ارتبط مفهوم المسرح لدى هؤلاء أنه دار للهو والترفيه وهذا هو تعريف المسرح لديهم والذي ناقشته في كتابي (أثر الهوية الإسلامية على المسرح في السعودية 1991).

مسكين أيها المسرح السعودي وكم أنتم مظلومون أيها المسرحيون السعوديون الذين تحملتم ثمانين عامًا من الريادة والجهد في مناخ كان يحتقر المسرح، واليوم حينما ظهر المسرح على السطح بشكل رسمي لم يكن لكم وبكم؛ وعلى ذلك ستدون الدراسات أن المسرح هنا هو المسرح في السعودية وليس المسرح السعودي، فالصفة هنا لا تمت بصفة للموصوف ما دام يعتبره داراً للهو ويستوفد مسرحاً وافداً غير عاكس لبيئته ومناشطها، ولنا في هذا المقام أن نتساءل: لماذا لم يكتب للمسرح اليمني الريادة المسرحية في الوطن العربي وهو أول مسرح في الجزيرة العربية كانت تقدم عليه أعمال شكسبير بشكل عالمي كلاسيكي في القرن السابع عشر، لأنه أولاً كان ترفيهاً في مادته وتناوله ليرفه عن جنود الاحتلال في اليمن. ثانياً، أنه مستوفد فلا يستمد ثقافته ومعالجاته وفكره من البيئة اليمنية آنذاك.

إن وسائل الترفيه عديدة ومطلوبة مثل السيرك والألعاب الرياضية والشعبية والحفلات وغير ذلك، أما المسرح والسينما فهما ليسا للترفيه ولا دوراً للهو كما كان يعتقد البعض، وإنما هما وسيلتان ثقافيتان إعلاميتان وركيزتان من ركائز القوى الناعمة التي يجب أن تكون صناعة سعودية مكتملة الأركان تحمل الهوية والفكر لهذا الوطن الكريم.. وأعتقد أن الوقت قد حان.