أدرك علماء الاجتماع تقصيرهم تجاه مرحلة "الشيخوخة" رغم أهميتها وما تنطوي عليه العملية الفسيولوجية المؤدّية إلى التقدّم في العمر من أبعاد اجتماعية وثقافية مهمة على حالة رأوا أنها تُعدّ في العادة حتمية ولا يمكن تجنّبها من الوجهة البيولوجية..

قليلة هي الكُتُب التي تُحدِث لديك تغييراً وأثراً في فكرك ووعيك وتعاطيك مع ما حولك من أفكار ورؤى وأشخاص وموجودات؛ وكما يقال: الكتاب الجيّد هو الذي تبدأ متاعبك معه بعد الفراغ من قراءته، وأي كتاب لا يُحدث لديك تلك الهزّة الشعورية أو الرضّة الفكرية فهو غير جدير باقتنائه فضلاً عن قراءته.

من هنا تأتي أهمية وقيمة هذا الكتاب الذي بين يديّ؛ والصادر عام 2017م تحت عنوان طريف: "في مديح الشيخوخة"، وهو كتاب كما يشي اسمه، يعالج فكرة ومفهوماً يخص شريحة مهمة وحيوية وعزيزة علينا جميعاً هم كبار السّن، تلك الفئة التي نمارس معها بقصد أو بغير قصد سلوكاً شرّيراً يتمثّل في قسوة موجعة مجسّدة في الإقصاء والتجاهل وعدم التقدير يغذّيها أنانيّتنا وجهلنا وتبلُّد حِسّنا وتحجُّر قلوبنا.

الكتاب للمفكّر الروماني الأشهر ماركوس توليوس شيشرون، الذي وُلد في شهر يناير عام 106 ق.م. ويأتي هذا الإصدار في وقت تعاني المكتبة العربية من ندرة الدراسات أو الأطروحات التي تتناول "مرحلة الشيخوخة"؛ تلك المرحلة السِّنّية التي طال أصحابها الإهمال ككيانات لها حضورها ووجودها على مستوى الواقع الفعلي إلاّ أنّها لم تحظ بحفاوة تستحقّها إن على مستوى الفضاء الحياتي العام أو على مستوى الطرح الفكري أو الأكاديمي.

وقد أدرك علماء الاجتماع تقصيرهم تجاه مرحلة "الشيخوخة" رغم أهميتها وما تنطوي عليه العملية الفسيولوجية المؤدّية إلى التقدّم في العمر من أبعاد اجتماعية وثقافية مهمة على حالة رأوا أنها تُعدّ في العادة حتمية ولا يمكن تجنّبها من الوجهة البيولوجية؛ إذ يعتبر العمر مقولة ثقافية يختلف معناها ودلالتها من عصر لعصر ومن ثقافة لأخرى؛ ومع هذه الأهمية لم يكن موضوع الدراسة الاجتماعية للشيخوخة يظهر في الكتب الدراسية لعلم الاجتماع حتى وقت قريب باعتبار أنّ العمر كان ينظر إليه، كما كان ينظر إلى النوع أو الجنس، كمرحلة طبيعية"، أو كمشكلة تنتمي إلى مجال السياسة الاجتماعية وعلى عكس ذلك نجد أن ثقافة الشباب لقيت قدراً كبيراً من اهتمام علماء الاجتماع وبذلك فإنّ النظر للكبار في السّن -خصوصاً في الرأسمالية الغربية- على أنهم غير منتجين، ومن ثم فإنهم يمثلون عبئاً. أما من حيث الأولويات البحثية، فإن علم الشيخوخة، ونموذجه الطبي للهرم، قد مارس تأثيراً واسعًا. وقد ركزت البحوث الاجتماعية عن الشيخوخة في بريطانيا على عزلة كبار السن أو ظروف معيشتهم في بيوت المسنين الحكومية، وأثارت التغيرات الديموجرافية -طول العمر وانخفاض معدلات الخصوبة، وزيادة النصيب النسبي للسكان فوق سن الخامسة والستين في الغرب- أثارت ذعرًا أخلاقيًا واهتمامًا جديدًا بكبار السن باعتبارهم مجموعة سكانية ذات إمكانات استهلاكية وسياسية.

لا يكتسب كتاب "مديح الشيخوخة" جماله وجاذبيّته فقط من براعة أسلوب كاتبه الذي قيل عنه إنّه خلق اللغة اللاتينية خلقاً جديداً؛ فوسّع نطاق مفرداتها، وصاغ منها أداة مرنة للتعبير عن الفلسفة، وجعلها صالحة لاستيعاب الآداب والعلوم في أوروبا الغربية سبعة عشر قرناً من الزمان؛ وإنما من جمالية وعمق المعالجة للشيخوخة التي جاءت في شكل مبادلات حوارية مع شخصيات تاريخية؛ مرتكزاً بقوة إلى حجج سابقيه من المفكّرين. ففي أحد الحوارات يخاطب صديقيه قائلاً: يا عزيزيّ سكيبيو ولايليوس، إن للشيخوخة خطوطها الدفاعية المناسبة، ألا وهي الدراسة وممارسة الحكمة والعيش اللائق، ولو غرستما هذه المبادئ في كل مرحلة من مراحل حياتكما فإنها ستؤتي أكلها الوفيرة حينما تكبران، ولن يسفر حصادها عن مجرد آثار رائعة في ختام حياتكما، وهو أمر أساسي في مناقشتنا الحالة ستشعرون بالرضا؛ لأنكم ستدركون أنكم استمتعتم بحياتكم وكان لكم فيها الكثير من الذكريات والأعمال الطيبة.

يحفل الكتاب بالكثير من المباهج والوقفات الإنسانية الجميلة لكن أختم بهذه الفقرة من خطاب آيبوس مدافعاً عن الشيخوخة يقول فيها: إن الذين يقولون إنه ليست هناك أنشطة مفيدة تتعلق بالشيخوخة يجهلون ما يتحدثون عنه، إنهم كهؤلاء الذين يقولون إن القبطان لا يفعل شيئًا مفيدًا لكي تبحر السفينة لأن هناك آخرين يتسلقون القلاع ويجرون عبر الممرات ويشغلون المضخات بينما هو يجلس مستريحًا في قمرة السفينة ممسكًا بدفتها فهو وإن كان لا يقوم بما يقوم به البحارة الأصغر سنًا؛ إلا أن ما يقوم به هو أهم وأقيَم.

فالأفعال العظيمة لا يقيّم أداؤها بما استخدم فيها من قوة وسرعة ورشاقة بدنية لكنه يقيّم بالحكمة وقوة الشخصية والحكم المتّزن، وتتوفر هذه الصفات للأشخاص في شيخوختهم؛ بل إنها تنمو وتزداد ثراء مع مرور الوقت.