من الأخلاق الحسنة التي يتأكد على المسلم التحلّي بها حسن العشرة، فعليه أن يتحرّى الالتزام به، وأن يُديمَ النظر في واقع عشرته للناس، فما ظهر له فيه من تقصيرٍ تداركه بالإصلاح، وما ظهر له فيه من سدادٍ حمد الله عليه وأدامه..

الأخلاق الحسنة تنمُّ عن جمال الباطن، وصفاء السريرة، وكرم الطّينة، فكلما حظي الإنسان بقسطٍ وافرٍ من الأخلاق النبيلة ظهر ذلك جليّاً في حسن عشرته للناس، ويُمْنِ مصاحبته، وسَعِدَ بذلك مخالطوه من الأقارب والأباعد، ومن تجمعه به الظروف ولو كان الاجتماع في لحظاتٍ معدودةٍ، والعكس بالعكس فكلما حُرِمَ الإنسان من الأخلاق الفاضلة ظهر أثر ذلك في سوء عشرته، ونكد التعامل معه، وشقي بذلك من له به علاقة بأيّ سببٍ من الأسباب، بل ربما شقي به من يَـمُرُّ في الطريق بالقرب منه، وما هذا إلا تجسيدٌ للحقيقة المتمثّلة في أن القلب ملك الجوارح، فمن أشرق قلبه بأنوار محاسن الأخلاق -وفي مقدمتها الإيمان بالله- كانت أفعاله وأقواله حسنة، ومن أظلم قلبه لخوائهِ وخلوِّهِ من الأخلاق الحسنة -وفي مقدمتها الإيمان بالله- كانت أقواله وأعماله سيئة، وصدق القائل:

ويأبى الذي في القلب إلّا تبيّناً ... وكلُّ إناءٍ بالذي فيه يرشح

ومن الأخلاق الحسنة التي يتأكد على المسلم التحلّي بها حسن العشرة، فعليه أن يتحرّى الالتزام به، وأن يُديمَ النظر في واقع عشرته للناس، فما ظهر له فيه من تقصيرٍ تداركه بالإصلاح، وما ظهر له فيه من سدادٍ حمد الله عليه وأدامه، والأسباب التي تحدو المسلم إلى التحلّي بحسن العشرة كثيرة، ومنها:

أولاً: أنها من سنن نبينا صلى الله عليه وسلم التي يُشرعُ للمسلم أن يأتسي به فيها، وكان صلى الله عليه وسلم مُتّصفاً بأعلى مقامات حسن العشرة، وسواء في ذلك من يخالطه من زوجةٍ وخادمٍ، ومن يلقاها المرّة تلو الأخرى، فَمِنْ ذِكْرِ أزواجه لحسن عشرته لهنّ قول عائشة رضي الله عنها: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائهِ، وأنا أنظر إلى الحبشةِ يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا التي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السّن، الحريصة على اللهو)، أخرجه البخاري، وقولها: «كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ، فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ»، أخرجه مسلم، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللهِ مَا قَالَ لِي: أُفًّا قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا؟)، متفقٌ عليه، وعَنْ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلاَ رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي، متفقٌ عليه.

ثانياً: أن من حسن العشرة أن يكون الإنسان موطّأ الأكناف يألفُ ويؤلفُ، وهذا من أوصاف المؤمن الأكمل إيماناً، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحَاسِنُهُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، أخرجه الطبراني وغيره وصححه الألباني، وفسّر العلماء قوله: "الموطؤون أكنافاً" بأن جوانبهم وطيئة يتمكّنُ فيها من يصاحبهم ولا يتأذى، فمن لم يكن حسن العشرة لم يألف ولم يُؤلف، ولم يوطَّأ كنفه.

ثالثاً: أن حسن العشرة من أولى الأخلاق بأن تنجذب النفوس إلى صاحبه، وتتلهّف الأرواح على الاقتراب من المتحلّي به؛ وذلك لأنه لا يتّصف به إلا من اجتمعت له أنواع من الشّيم النبيلة من صبرٍ وحلمٍ وكرمٍ وسلامةِ صدرٍ، ورجاحةِ عقلٍ، وغيرها، والقلوبُ مجبولةٌ على حُبِّ من أحسن إليها، وربّما تحوّل البغض العارم إلى مودةٍ صافيةٍ بسبب الإحسان، ولين الجانب، وحسن العشرة، قال الله تبارك وتعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).

رابعاً: من كان حسن العشرة لطيفاً مع الناس أَمِنَ عواقب الحسرة والندامة التي يكتوي بها قلب من يُسيءُ عشرة أحد أحبابه وبينما هو كذلك إذ فرّقَ الموت بينهما من غير أن يمنحه فرصة تحسين العلاقة معه، فكم من أخٍ أو أبٍ أو زوجٍ أو زوجةٍ أدمَنَ على إساءة عشرة حبيبه، فلم يَصْحُ ضميرُهُ من هذه الغفلة حتى فات الأوان، ورَحَلَ الحبيبُ عن هذه الدار، فكانت المصيبة عليه مصيبتين رزء فقده، ورزء تأنيب ضميره له على سوء معاملة الراحل الذي لا يشك أنه رَحَلَ وهو ساخطٌ عليه، أما حَسَنُ العشرة فمهما اشتدّت عليه مصيبة الفقد، فعزاؤه أنه أحسَنَ صُحْبَةَ حبيبه، ووفّاهُ ما أمكنَ من حقِّهِ، وأذاقَه حلاوة السعادة طيلة تعايشهما، فما رَحَلَ إلا وهو راضٍ عنه، وقد أفصحَ بهذا بعض شعراء العرب فقال في رثائِهِ لأخيه:

وَطَيّبَ نَفْسي أَنّني لم أَقُلْ لَهُ ... كَذَبْتَ، وَلَمْ أَبْخَلْ بِمَا مَلَكَتْ يَدي