اليوم، عندما يتم تشخيص أي شخص بالسرطان - لا سمح الله - عادةً ما يتلقى هذا المريض العلاج نفسه مثل المرضى الآخرين الذين لديهم التشخيص نفسه، ومع ذلك فإن استجابة المرضى عادة ما تكون مختلفة حتى عند علاجهم «بالعلاج نفسه»، وحتى وقت قريب، لم يكن الأطباء والعلماء يعرفون السبب وراء هذا التباين في الاستجابة للعلاج. لكن بعد عقود من البحث في سبب هذا التباين، اكتشف العلماء أخيراً أن المرضى يتميزون بوجود تغيرات جينية (Genomic variations) هي المسؤولة عن اختلاف نوع الاستجابة للنوع نفسه من العلاج. التغيرات التي تحدث في مرحلة نشوء وتطور أي مرض تختلف من شخص لآخر عندهم المرض نفسه. كما يمكن العثور على التغيرات نفسها المسببة للسرطان في أنواع مختلفة من السرطان.

خلال العقد الماضي، ظهر علم جديد مليء بالإثارة، يحمل حلولا وعلاجات واعدة لكثير من الأمراض التي ما زال الطب يقف عاجزاً عن إيجاد العلاج الناجع لها (فلم ينزل الله داء إلا أنزل له دواء)، هذا العلم يعرف بالطب الدقيق أو الشخصي (Precision Medicine)، فمع التقدم المذهل في علم الجينوم البشري (Human Genome)، أصبحت المعلومات الوراثية مفيدة في فهم الآليات البيولوجية لنشوء وتطور المرض، إضافة إلى ابتكار عقاقير جديدة تكون مستندة إلى الأنماط الوراثية لمريض معين أو مجموعة من المرضى لهم النمط الوراثي نفسه. عالمياً ومحلياً في المملكة هناك استثمارات كبيرة تم ضخها من قبل شركات الأدوية وشركات الأبحاث للاستثمار في هذا المجال الذي يحمل كثيرا من الفوائد في حالة اكتشاف علاجات جديدة وناجعة. هذا العلم أيضاً يوضح كثيرا عن عملية نشوء المرض من الناحية البيولوجية وكيفية الوقاية أو التعامل مع المرض بحرفية أكثر. حتى إن كثيرا من العلماء المعنيين بهذا العلم يتوقعون أنه سيكون بإمكاننا في المستقبل القريب منع الأمراض قبل ظهورها، كما أن المرضى الذين يعالجون بالعلاجات المطورة باستخدام هذا الأسلوب ستكون سرعة تعافيهم من المرض أسرع بكثير من الأساليب التقليدية، وكذلك سيشعرون بأعراض جانبية أقل. إلا أنه على الرغم من اختلاف تعريف الطب الدقيق، إلا أن هناك شبه إجماع على أن «الطب الدقيق» هو استخدام العلاج المناسب للشخص المناسب في الوقت المناسب بالجرعات المناسبة، وذلك بالاعتماد على النمط الوراثي للشخص أو المريض. إن استخدام أدوات التشخيص والعلاجات التي تستهدف احتياجات المريض على أساس خصائصه الوراثية والحيوية يشكل أيضاً اتجاها جديدا في الأبحاث الطبية حول العالم. فهناك اليوم مئات المليارات تصرف على المشروعات المتعلقة بهذا المجال الطبي الواعد؛ لتطوير أدوية أكثر فاعلية، وكذلك قليلة الأعراض الجانبية، خصوصاً في مجال علاج الأورام، وذلك يكون من خلال تصميم برامج علاجية تعتمد على الخصائص الفردية للمريض والمستمدة من البيانات الوراثية أو ما يعرف بعلم الجينوم الطبي أو (Genomic Medicine).

على سبيل المثال، يعرف الأطباء أن هناك دواء يسمى (Gleevec (imatinib لعلاج سرطان الدم فقط عندما تحتوي الخلايا السرطانية على تركيبة وراثية معينة (Specific Genetic Variation) لذلك، بدلا من علاج جميع مرضى اللوكيميا باستخدام Gleevec. يقوم الآن الأطباء باختبار الأشخاص الذين يحملون الخصائص الوراثية المحددة باستخدام التشخيص الجزيئي أو (Molecular Diagnostic) بحيث يعطى الدواء فقط لأولئك الذين يمتلكون ذلك التغيير الجيني المحدد. هذا النهج الجديد في التشخيص والعلاج يستخدم حالياً في عديد من الأورام مثل أورام الثدي والرئة والقولون وكثير غيرها.

من المتوقع أن تبلغ قيمة الاستثمارات العالمية في مجال الطب الدقيق والمعتمدة على هذا الأسلوب العلاجي والتشخيصي 88.64 مليار دولار بحلول عام 2022؛ 40 في المئة من هذه الاستثمارات في أمريكا وحدها. كما أنه من المتوقع أن تبلغ أرباح الشركات العاملة في هذا المجال أكثر من 500 مليار دولار. في المملكة هناك الآن عدة مبادرات للاستثمار في هذا المجال، وكالعادة فإن مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث كان له قصب السبق، حيث أعلن خلال العام الماضي بدء برنامج الطب الدقيق أو (الشخصي) كإحدى مبادرات التحول الوطني وفق رؤية سمو ولي العهد (2030).

  • أستاذ مساعد واستشاري بحوث إكلينيكية - كلية الطب مدينة الملك فهد الطبية