تذمر المعلمين وشعورهم بعدم اهتمام الوزارة بهم أصبح في السنوات الأخيرة حالة ثابتة، لكن الوضع لا يصل إلى مستوى الواقع المأساوي.. واستمرار هذا الشعور ليس في مصلحة العملية التعليمية والتربوية وسينعكس أثره السلبي على أداء المعلم وأداء الطلاب..

التعليم هو القضية الأهم في المجتمعات كافة، ومن الصعب الحديث عن هذا الموضوع في مقال واحد، لهذا السبب نعود إليه مرات ومرات، هو الموضوع الحاضر دائماً في أذهان الناس وفي وسائل الإعلام وفي مقالات الكتاب، ومؤلفات المتخصصين، وفي الندوات والمؤتمرات وورش العمل.

نعود إلى هذا الموضوع من خلال مناقشات وتوصيات مجلس الشورى حول التقرير السنوي لوزارة التعليم وما نراه حولها.

يرى مجلس الشورى أن المبادرات التي تطرحها الوزارة كثيرة وقد لا يتوفر الانسجام بين بعضها، ولهذا يطرح توصية -أتفق معها- تنص على تبني خطة موحدة ومتكاملة للمبادرات التعليمية بما يضمن تجانسها وتكاملها وتحقيقها للأهداف المرجوة منها.

ونضيف إلى تلك التوصية أهمية العمل التراكمي والبناء على ما سبق من البرامج والمشروعات المعتمدة، هذه ملاحظة تقال عن كثير من الأجهزة التي تبدأ من الصفر مع كل مسؤول جديد.

  • من التوصيات المهمة لمجلس الشورى على تقرير الوزارة توصية تطالب الوزارة بتقديم دراسة علمية تفصيلية للقيمة المضافة التي قدمتها شركة تطوير التعليم القابضة والشركات التابعة لها للتعليم منذ تأسيسها، هذه الدراسة ستجيب على كثير من الأسئلة حول تطوير التعليم وما تم تطبيقه من برامج وأنشطة جديدة أحدثت تغييراً في الممارسات الميدانية داخل المدرسة والجامعة.

  • طلب المجلس من وزارة التعليم دراسة إنشاء هيئة للبحث والابتكار لتقوم بتنظيم وحوكمة البحث العلمي بمؤسسات التعليم، هذه التوصية جعلتني أتساءل عن دور الهيئة المقترحة في ظل وجود الجامعات ومراكز الأبحاث، البحث هو النشاط الأهم للجامعات، وإذا كانت لا تقوم بدورها في هذا المجال، فهل الحل يكمن في إنشاء هيئة؟

  • تعاقد الجامعات مع أعضاء هيئة التدريس غير السعوديين لا يمثل مشكلة بل هو مطلب للتنوع، المشكلة حسب ملاحظة المجلس هي التعاقد مع أعضاء هيئة تدريس يشكلون نسبة كبيرة من مجموع الهيئة الأكاديمية في جامعات المملكة من جنسيات عربية وأجنبية لا ترتقي إمكاناتهم العلمية إلى المستوى المأمول بسبب ضغط الحاجة العاجلة والمتاح للتعاقد في الدول التي يتم البحث فيها حسب ما ورد في الملاحظة.

لفت نظري في الملاحظة السابقة كلمة (الحاجة العاجلة) لأن هذا الأمر مرتبط بالتخطيط المبكر وليس قضية عاجلة، الجامعات هي القدوة في موضوع التخطيط.

  • تحفيز المعلمين ورفع معنوياتهم هي إحدى توصيات المجلس على أداء الوزارة، قيل في حيثيات هذه التوصية إن دراسات متعددة تشير إلى تعرض المعلمين إلى ضغوط شبه يومية من الوزارة والإدارات التعليمية ومن المشرفين التربويين الذين يتسلط بعضهم بحجة الإشراف، ومن الطلاب وأولياء الأمور حتى أصبح حالهم على أرض الواقع مأساوياً حسب وصف الملاحظة. هذه الملاحظة تتحدث عن التحفيز وتصف فجوة بين الجهاز المركزي والميدان ناتجة عن أسلوب الاتصال من أعلى إلى أسفل وهذا النوع من الاتصال يتمثل في التعليمات والقرارات المركزية دون مشاركة من المعنيين بالتطبيق القريبين من الواقع. المشاركة تعد من أهم الحوافز التي تعزز الانتماء والولاء وترفع الروح المعنوية. التدريب والبرامج الإثرائية مهمة أيضاً كحوافز ووسائل لرفع مستوى الأداء وهي لا تزال غير كافية.

صحيح أن تذمر المعلمين وشعورهم بعدم اهتمام الوزارة بهم أصبح في السنوات الأخيرة حالة ثابتة لكن الوضع لا يصل إلى مستوى الواقع المأساوي كما وصفته ملاحظة المجلس. استمرار هذا الشعور ليس في مصلحة العملية التعليمية والتربوية وسوف ينعكس أثره السلبي على أداء المعلم وأداء الطلاب. الفجوة مستمرة دون حلول استراتيجية لأن أسبابها إما أنها لم تحدد بشكل واضح، أو حددت ولم توضع لها الحلول.

أحد الحلول في نظري هو أن وجود ثقافة تنظيمية للوزارة معتمدة ومعروفة للجميع تتضمن رؤيتها ورسالتها وأهدافها، والقيم الأخلاقية والمهنية، والأنظمة والسياسات والإجراءات، ثم تنفيذ برامج تدريبية لمنتسبي الوزارة لاستيعاب هذه الثقافة وتحويلها إلى ممارسات تخضع لتقييم صارم مستمر. هذا التوجه يجب أن ينهي مسلسل التعاميم المتدفقة من المركز إلى الميدان بحكم وجود إطار ثقافي ومهني وتربوي للعمل يفترض أن يتبعه ثقة بالمعلم وكافة العاملين في الميدان تحفزهم على الأداء المتميز والمبادرات الإبداعية. النجاح في هذا التوجه يعتمد على مستوى برامج إعداد المعلمين وتدريبهم وعلى معايير تقييم الأداء، وهي بالتأكيد تحتاج إلى مراجعة وتطوير.