كانت معرفة الإنسان للنار واكتشاف طريقة إشعالها قديما بمثابة نقطة تحول في الجانب الثقافي للتطور البشري ومكنته بخصائصها الفريدة من ممارسة كثير من الأنشطة الضرورية لحياته اليومية مثل عملية طهي وإنضاج الطعام الذي أحدث تغيرا وتطورا في سلوكه ونظامه الغذائي والحصول على التدفئة والحماية ضد الحيوانات المفترسة والحشرات وأحدث استخدامها الكثير من التطورات الثقافية والتباعد الجغرافي البشري وعمليات الابتكار وصناعة وتطويع الحديد والمعادن، وما نتج عنه من صناعات مبتكرة منحته القوة والتفوق على سائر المخلوقات، وساعد استخدام النار بشكل عام في السماح بالتوسع للنشاط البشري والتغلب على ظروف الطقس وتقلباته، وحسب الدراسات فإن الإنسان الأول قبل معرفة أعواد الثقاب قد عانى من صعوبات الحصول على قبس إشعال النار واستمر في الاعتماد على طرق وأساليب تعد بدائية وغير مضمونة في ظروف بعض العوامل المناخية ومن أهم الأدوات التي كانوا يستعملونها لإشعال النار العدسات المائية والزجاجية لتكثيف وتركيز أشعة الشمس في حزمة ضيقة جدا وتركيزها على مادة سهلة الاشتعال كذلك حجر الصوان الذي كان تُضرب حافته بأي قطعة معدنية كربونية، ومثل ذلك ضرب أي قطعة حديدية بحافة قطعة أخرى من الحجر أيضا أخدود النار الخشبي والمعتمد على إشعال النار بواسطة الاحتكاك، وذلك ببرم عصا خشبية قاسية بقاعدة أخرى من الخشب اللين القابل للاشتعال وقريبا منها القوس والمثقب، والتي تعتمد على حركة الدوران السريعة، كما استعملوا أداة مميزة عثر عليها في مقبرة توت عنخ آمون تسمى «مثقاب النار»، وهي عبارة عن قوسٍ مثبتٍ بسيور يدور في 12 ثقباً مملوءة بالراتنج، فتنتج عن إدارة القوس والاحتكاك الذي يسببه شرارةٌ تشعل النيران، واستمر الإنسان في بحثه عن أساليب جديدة حتى تم اختراع أعواد الثقاب المعتمدة على مركبات الفسفور المخلوط بالرمل بدايات القرن الميلادي الماضي، والذي أحدث ثورة في مجال إشعال النار واستقبلت الاكتشاف الجديد معظم الشعوب المتحضرة إلا انه لم يصل أغلب سكان الجزيرة العربية الذين كانوا لا زالوا يعتمدون على ما يطلقون عليه «الزناد»، والذي يأخذ أكثر من مكون وشكل وأشهرها آلة فولاذية صغيرة تأتي على شكل مثلث ضلع قاعدته أطول من ضلعيه الآخرين، وهو مفتوح من عند نقطة التقاء الضلعين من الأعلى، حيث ينتهي كلّ ضلع برأس كرويّ صغير قريب من الرأس الآخر وعندما يُقدح الزناد على حجر الصَّوَّان تتولد منه شرارة بملامسة مما كان يعرف بـ»القَدْح» وهو نبات يحتوي على ما يشبه القطن يوضع في الكف ويشتعل عند سقوط الشرارة ثم يوضع فوقه القش وينفخ؛ ويستعاض عن الزناد بقطعتين من حجر المرو يضرب طرفيهما ببعض ويقدح غالبا على قطعة قماش رقيق يمسحونها عدة مرات في «وَذَح» شاه وهي الأوساخ والدهون الناتجة عن العرق في آباط وأفخاذ الأغنام إذ يتحول إلى ما يشبه مسحة من مادة بترولية سهلة وسريعة الاشتعال.

الباحث والمستكشف البولندي الكونت جفرسكي ذكر في كتابه خيال بولندي عند البدو، والذي اشتمل على انطباعاته ودراساته عن الشرق وشبه الجزيرة العربية بين عامي 1817-1819م أثناء مخالطته البدو بأنه رأى عندهم القليل من القداحات ومن حجر البنادق في الصحراء الذي لم يكن متاحا في كل الأحوال، ولذلك رآهم يحتفظون وهم سائرون في حال الرحيل والانتقال من المكان بكمية من الجمر المشتعل وغالبا ما يكون من روث الإبل الذي يدوم لفترة طويلة وغالبا تحمل في مواقد أو مباخر كما أسماها معلقة بثلاث سلاسل مجتمعة مربوطة بكلاب يوضع في واحد من حبال الرشمة أو في واحدة من حلقاتها تؤرجح حركة الجمل الموقد المليئ بالفتحات التي تحافظ على اتقاد النار ويرمي الصغار وهم سائرون بكل بهجة فيها حطبا أو روثا جديدا للحفاظ على اشتعالها ويخرج الرماد في هذه الحال من الفتحات وعندما يكونون مستقرين فإنهم يحافظون على بقاء الجمر على قدر استطاعتهم ويجد كل فرد من العائلة نفسه مسؤولا عن المشاركة في بقاء النار التي يمكن أن تستمر على سبيل المثال فصلا كاملا أو أكثر خصوصا في الشتاء إما داخل الخيمة أو بالقرب منها، وقد يتبادل الجيران قبس النار بينهم أو يقومون بجلبه من جار بعيد ولا يخجلون من طلبه ممن يعرفون أو لا يعرفون، ولكن عند ما لا تكون لديهم نار فلديهم عدة طرق للحصول على القبس كما يقول ومنها ما عده غريبا والمعتمد على خشب يسمى العفار يأخذون قطعتين من هذا الخشب تكون إحداها مقعرة ويضعون الأخرى داخلها ثم يدورونها بسرعة فيحصلون على قبس من النار يشعلون بها قطعة واحدة من الروث أو القماش، وهذا يكفي لإشعال النار التي يحتاجونها، وبعد ذلك يعجلون في إطفاء النار التي يحدثها الاحتكاك الخشبي من أجل الحفاظ على هذا النبات المفيد، ويعتقد بأن هذا النوع من الخشب يحتوي على أجزاء فسفورية كثيرة.

وأعجب البولندي جفرسكي ببعض أساليب تعامل البدو مع النار للاستفادة منها في أقصى الحدود في إشارة منه إلى استخدامها في اقتفاء وتتبع الأثر ليلا في أي ظرف باستخدام المشعل وهو إناء يربط بين جملين يسيران بخط متوازٍ يقتفيهما رجال يقذفون حطباً داخل المشعل حتى ينير لهم الطريق كما ذكر مهارتهم خصوصا النساء اللاتي يحملن النار معهن على ظهور الإبل أثناء الرحيل أو التنقل والاستمرار في طهي الطعام وصناعة الخبز خصوصا ما يعرف عندهم بخبز الرمل.

بداية قدح النار
حجر المرو
القوس والمثقب