(الله ياخِلاسيِّة) قصيدة حُبّ مُنغّمة مُبْهمة لا ينجلي ضبابها الشفيف إلّا في آخرها.. 

و(الخِلاسيّة) وصف للمرأة السمراء.. الكلمة فصيحة.. والصِّفة جميلة.. تعني اللون (البرونزي) الذي تحلم به شقروات الغرب.. وتبدو (الخلاسية) في قصيدة الشاعر السوداني (محمد المكي إبراهيم) في جمال سُمرة المساء الحالم ورقّة (أويقات الأصل) وبهاء القمر الموشّح بسحاب أسمر خفيف، وإيحاء (وريقات الورود) إذا هبّت نسيم الصِّبا وتفتحت أكمام الورود وفاح المسك الفتيق: 

الله يا خلاسية يا حانةً مفروشةً بالرمل

يا مكحولة العينين يا مجدولة من شعر أغنية

يا وردة باللون مسقيّة

بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت

يا بعض زنجيّة يا بعض عربيّة

من اشتَرَاكِ اشترى فوح القرنفل من أنفاس أمسيّة

أو السواحل من خصر الجزيرة 

أو خصر الجزيرة

من موج المحيط وأحضان الصباحيّة

من اشتراك اشترى للجرح غمداً وللأحزان مرثية

من اشتراك اشترى مني ومنك تواريخ البكاء وأجيال العبودية

من اشتراك اشتراني يا خلاسية

فهل أنا بائع وجهي وأقوالى أمام الله؟

فليسألوا عنكِ أفواف النخيل رأت رملاً كرملك مغسولاً ومسقياً

وليسألوا عنك أحضان الخليج متى ببعض حسنك أغرى الحلم حوريه

وليسألوا عنك أفواج الغزاة رأت نطحاً كنطحك والأيام مهديه

طاف الكرى بعيون العاشقيك فعادوا منك بالأحلامْ

ما للعراجين تطْواح وليس لأطيار الخليج بغام

النّبْعُ أغفى وكلّ الكائنات نيام

إلا أنا والشّذى ورماح الحارسيك قيام.

البحرُ ساجٍ وتِحْفافُ النخيل غَزَلْ

وبركة القصر بالنيلوفر ازدحمت

والنحلُ أشبَع كاساتِ الزهورِ قُبَلْ

وإنني الآن أزهى ما أكون وأصبى من صباي

ومكسياً من النور الجديد إزار

تأمليني فإن الجزر أوشك -إنى ذاهب-

ومع المدّ الجديد سآتي.. هل عرفتيني؟)

إنها ليست قصيدة غزل في امرأة.. إنها غزل موجّه لقارة أفريقيا السمراء كلها.. تلك القارة التي تجمع المتناقضات، فهي كالرمح السمهري وكالغزال الجريح.. قارة العطر والسحر والعراقة والغموض المثير.