ما أحوجنا نحن المسلمين، وما أحوج الدعاة والمشايخ والمثقفين وولاة الأمر وعامة المجتمع إلى استحضار المعنى الرباني لقول الله: «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً»، كي ننزل كل إنسان منزلته، ونخاطب كل شعب بلغته، ونبلغ رسالته إليهم ناصعة كما جاء بها..

وأنت تقرأ أحسن الحديث، سيمر بك كثيرًا، بل كثيرًا جدًّا؛ أمر الله لنبيه (قل)، في مئات المواضع، وفي كل موضع تتعدد دلالات هذا الأمر بما لو أُلِّفت فيها كتب لما أحاطت بكنوز فوائدها، وهو الأمر الذي ينبئ عن حقيقة الرسالة التي أتى بها نبي الإٍسلام صلى الله عليه وآله: (فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ).

ومن بين تلك المواضع اخترت أن تكون مقالتي هذه تنويها من قول الله: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا)، وقد وصلت تلك الآية أصقاع الأرض، وعلمها من علم من القبائل والإمبراطوريات والحكومات آنذاك، وجرت سياسات تلك الحقب بما جرت به، واستخدمت كل الوسائل للحيلولة دون سماع البلاغ، ووضعت العراقيل الإعلامية: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه)، حتى استقر الأمر، واتضحت الرسالة، ودخل الناس في دين الله أفواجا.

ولم يأت الإسلام مفتقرًا إلى الكمال بل أكمله منزلة: (اليوم أكملت لكم دينكم)، وحين فسّر النبي - صلى الله عليه وآله وأصحابه - الإسلام، فسروه تفسيرًا عمليًا، ارتضاه العدو قبل الصديق؛ فسمت أخلاقهم، وحسنت معاملاتهم، فكان مما قاله عدوهم فيهم وهو يسأل أبا سفيان وقت عداوته للرسول صلى الله عليه وآله: "كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا...)، فانصهرت تلك المسميات، وبقي النبي - صلى الله عليه وآله - يدعو إلى دينٍ يأمن به الخائف، ويستنصر به المظلوم، ويعتدل به المعوج راغبًا راضيًا!

ولا شك أن ما بيننا وبين بعثة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أزمنة ليست بالقليلة، وخلال هذه الأزمنة مر الإسلام بمراحل دوّنها التاريخ كمنارة تدل بقية الأمم على قيمة الإنسان وإكرامه، وأهمية العدل وإحكامه، ولا غرابة في ذلك، فالرسالة التي تعرف الناس بالإنسانية قادرة على النهوض والاستمرار والعطاء، فكم هي المواضع القرآنية التي يخاطب فيها الله الناس بإنسانيتهم، بل في أشد المواضع حساسية وهي طاعة الوالدين، يوصي فيها ابن آدم بإنسانيته: (ووصينا الإنسان بوالديه)، وهذه لطيفة حرية بالتدبر والتأمل، فليست الإنسانية شيئا غير الإسلام، فالإسلام يأمر بكل ما من شأنه تكريم ابن آدم ونفعه، ومهما اختلفت تلك التسميات فسيحافظ الإسلام على ابتداء وتكميل المكارم، وما قد يفعله الآخرون من خير، فإن الإسلام يفتح له كل وسائل العون والتيسير، وفي الحديث: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»؛ ويعني بذلك ما قد يجده من أخلاق حسنة يعوزها الكمال، أو مواضع تحتاج إلى إحداث ما تظهر به مكارم الأخلاق. وإذا ما اتسقت أحرفي إلى أبعد من مكارم الأخلاق، فالإسلام دين اتسم بعقيدة نقية وواضحة، وفقه مرن مبني على تأصيل: "يسروا ولا تعسروا"، وموضوع على "درء المفسدة وجلب المصلحة"، وأحكام تتخذ العدل قسطاسًا تزن به، ومعاملات أعطت كل ذي حق حقه، وعبادات يرقى بها العابدون مراقي الخضوع والحب لخالق السماوات والأرض!

فما أحوجنا نحن المسلمين، وما أحوج الدعاة والمشايخ والمثقفين وولاة الأمر وعامة المجتمع إلى استحضار المعنى الرباني لقول الله: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً"، كي ننزل كل إنسان منزلته، ونخاطب كل شعب بلغته، ونبلغ رسالته إليهم ناصعة كما جاء بها، ووصفها: بيضاء نقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. هذا، والله من وراء القصد.