إن عمارة المسجد تم التعامل معها بشكل سطحي خلال القرنين الأخيرين مما نتج عنه هذا الانفصام الغريب بين مبنى المسجد وبين المجال السلوكي المجتمعي الذي يفترض أن يغذي المعماريين والمصممين بالأفكار الجديدة كما كان يحدث ذلك في السابق، إلا أن تفكك العلاقة المباشرة بين المجتمع وبين بناء المسجد وظهور وسطاء واجتهادات غيبت الحاجة المجتمعية الفعلية..

قبل أيام وقعت جائزة عبداللطيف الفوزان لعمارة المساجد اتفاقية إطارية مع الجمعية السعودية للذوق العام، تهتم هذه الاتفاقية بالآداب والسلوكيات التي تصاحب استخدام المساجد وتأثير هذه الآداب على عمارة وجماليات المسجد في المملكة بشكل خاص والعالم بشكل عام. قبل أن أتحدث عن هذا الموضوع المهم الذي سيساهم في التأسيس لصورة حضارية نحتاجها بقوة في وقتنا الراهن حول المسجد والصورة المترسخة في الأذهان حوله خصوصاً من قبل المجتمعات الغربية، سوف أعرج على هذه الجمعية الفريدة في مجالها التي تهتم بالذوق العام. والذي يبدو لي أن ظهور مثل هذه الجمعية في المملكة يدل على وجود "أزمة ذوق" في مجتمعنا، يجب أن نلتفت لها ونتعامل معها، وتظهر وطأة "قلة الذوق" بوضوح في الأماكن العامة على وجه الخصوص، والمساجد من ضمنها، رغم ما تحظى به دور العبادة من اهتمام وقداسة. لعل هذا ما جعلني ومنذ وقت مبكر يزيد على العقد من الزمن أن أكتب سلسلة من المقالات في هذه الصحيفة حول "الأخلاق الحضرية" وأهمية التأسيس لها منذ الصغر وجعلها ضمن المكون المعرفي والتربوي للنشء.

ولكن لماذا يوجد أزمة سلوكية عند استخدام المساجد؟ ولماذا يرى البعض أن هذه الأزمة تؤثر سلباً على الصورة العامة للمسلمين في كل مكان؟ وكيف يمكن تطوير تصميم المسجد كي يشجع على السلوكيات الإيجابية ويصنع ما يمكن أن نسميه "آداباً معمارية" تكون جزءاً مكوناً وأصيلاً من المبنى لكنها تساعد على ممارسة سلوكيات إيجابية؟ من الناحية التاريخية حدث نوع من الانفصال بين المسجد وبين النمط التاريخي لأسلوب استخدامه، ولم يتم دراسة الانتقال من الحالة التاريخية البسيطة للمسجد إلى الحالة المعاصرة المعقدة الأنظمة مما أحدث فجوة وظيفية وسلوكية واضحة في عمارة المسجد المعاصر، قاعة الصلاة البسيطة المفتوحة على الفناء التي لا تتطلب أعمالاً ميكانيكية معقدة اختفت وتحولت إلى صندوق مغلق مع استنزاف في استخدام المياه والطاقة وعدم انتظام في خلع الأحذية ولبسها بعد الانتهاء من الصلاة وتصاعد الروائح الكريهة نتيجة تعفن السجاد الذي كان بسيطاً في السابق وعلى قدر الحاجة، هذا التعفن نتيجة عدم تطور العلاقة بين مكان الوضوء وقاعة الصلاة، فيأتي المصلون إلى المسجد ولم تجف أطرافهم بعد وتتساقط المياه على السجاد ويتعفن. سلسلة من السلوكيات والممارسات، التي هي في الأساس عيوب في التصميم المعماري، جعلت من المسجد بحاجة إلى إعادة تأهيل معماري يدفع المصلين إلى تغيير سلوكياتهم السلبية.

ماذا يمكن أن يفعل المعماريون لردم هذه الفجوة؟ هذا السؤال في أصله هو سؤال أكاديمي بحت كون العلاقة بين العمارة والسلوك هي علاقة جدلية لا يتسع المجال لطرحها هنا، لكن أهم نتائج هذا الجدل الأكاديمي هو "الاتجاهي الإمكاني" Possiblistic Approach والذي يعني أنه يمكن تطوير حلول معمارية تدفع مستخدمي المبنى إلى ممارسة سلوكيات إيجابية وتعويدهم عليها. الاتفاقية بين جائزة الفوزان والجمعية السعودية للذوق العام تركز على هذه المدرسة الفكرية التي تسمح للعمارة في المشاركة في صناعة الأخلاق المجتمعية عن طريق تشخيص جميع السلوكيات السلبية المصاحبة لاستخدام المسجد المعاصر والعمل على تطوير حلول معمارية تفصيلية تكون جزءاً مهماً من معايير تصميم المسجد، ولعل هذا يجعلني أذكر القارئ بأن الجائزة تعمل الآن مع وزارة الشؤون الإسلامية واللجنة الوطنية للكود السعودي على وضع كود لبناء المساجد. يفترض أن هذا الكود يحتوي على تشخيص للسلوكيات السلبية ويتلافاها من خلال وضع معايير مرنة تحث على خلق حلول مبدعة ومتجددة.

من الواضح أن عمارة المسجد تم التعامل معها بشكل سطحي خلال القرنين الأخيرين مما نتج عنه هذا الانفصام الغريب بين مبنى المسجد وبين المجال السلوكي المجتمعي الذي يفترض أن يغذي المعماريين والمصممين بالأفكار الجديدة كما كان يحدث ذلك في السابق، إلا أن تفكك العلاقة المباشرة بين المجتمع وبين بناء المسجد وظهور وسطاء واجتهادات غيبت الحاجة المجتمعية الفعلية، أبعدت عمارة المسجد عن محتواها السلوكي بشكل متدرج. هناك دون شك محاولات وأفكار يقدمها البعض في مجتمعات مختلفة لعمارة المساجد يمكن التعلم منها، ولعل هذا ما لاحظناه أثناء البحث عن المساجد التي تم ترشيحها لجائزة الفوزان، حيث توقفنا عند العديد من الأمثلة والممارسات التي يمكن أن نتعلم منها، وهذا هو الدور المهم الذي يمكن أن تقدمه مؤسسة ثقافية بحجم الجائزة.