إذا كنتَ أيها الإنسان الـمُتصرِّفُ في وصيّةِ أحدِ والديك محبّاً له حريصاً على سعادته، فنفِّذها على الوجه المشروع؛ لأنه أحوج ما يكون لريعِ وصيته، وإن بدّلتَ وحرّفتَ وغيّرتَ فاعلم أنك خائنٌ لأمانتِهِ، عاصٍ لأمرِهِ، وهذا من أبشعِ صورِ العقوق..

من أعمال البر الفاضلة التي يتعدّى نفعها إلى الآخرين: الوصية حيث جمعت بين التعبد لله بامتثال أوامره، وتصديق ما وعده المنفق من مغفرةٍ وفضلٍ، وبين مراغمة الشيطان الذي يَعِدُ الناس الفقر ويأمرهم بالشّح، وبين نفع الناس والإحسان إليهم، ومشروعيتها من نعم الله على عباده، فهي من الأعمال التي تصل للميت بعد موته، وهي صدقةٌ من الله على الموصِي قبل أن تكون صدقة من الموصِي على الموصَى له، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ، عِنْدَ وَفَاتِكُمْ، بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ، زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ». أخرجه ابن ماجه، وحسّنه الألباني، ولم يفتح الإسلام الباب على مصراعيه أمام الموصِي لكي يُضايق ورثته، فلا تستحب في حق من لم يترك مالاً كثيراً بحسب العرف، ولا يَسَعُ الغني أن يوصِي بأكثر من ثلثه، والمستحب أقل منه، وقد ذكر الفقهاء أن الأحسن الخُمُس، كما لا يمكنه أن يوصِي لوارثٍ من الورثة؛ لكيلا يجحف بحق بقيتهم، ومن المهم التنبيه على ما يحصل في الوصية من التجاوزات والتلاعبات التي تُعدُّ تعدِّياً عليها، وتجاسراً على حدودها، وتجاهلاً لكونها من الشعائر الدينية المأمور بتعظيمها، فمن تلك التجاوزات:

أولاً: التصرُّفُ فيها بالتحريف قبل وفاة الموصِي، ويتعاطى بعض الناس هذا العمل المنكر باستغلال فقد مورثهم لإدراكه في أواخر حياته، فيجعلونه يُوقِّعُ على ما أرادوا، وهو فاقدٌ الأهلية، وربّما لبّسوا عليه الـمُوقَّعَ عليه، فلا يدري على ما وقَّعَ، ولا يظنّنّ من وَقَعَ منه هذا التلاعب أنه بخداعِهِ للموصَى لهم، وللجهة المنفذة صار بمنجاة من التبعات؛ فإن فعلته تلك أمرٌ مُنكرٌ أوعد الله فاعله، فقال سبحانه وتعالى: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، قال بعض المفسرين: (وقوله: إن الله سميعٌ عليمٌ وعيدٌ للمُبَدِّلِ؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء وإن تحيّل الناسُ لإبطال الحقوق بوجوه الحيل، وجاروا بأنواع الجور، فالله سميعٌ وصيّة الموصِي، ويعلم فعل الـمُبَدِّلِ، وإذا كان سميعاً عليماً، وهو قادرٌ، فلا حائل بينه وبين مجازاة الـمُبَدِّلِ).

ثانياً: التصرُّفُ فيها بالتحريف بعد وفاة الموصِي، ولهذا الجرم صورٌ منها: تزوير وثائقها بما يتماشى مع رغبة المتلاعب، أو إقامة شهودِ زورٍ على ما يتشهّاه الـمُحرِّفُ المتلاعب، وينتظم في هذا عددٌ من المخالفات الشرعية والنظامية والأخلاقية مما ينبغي أن يترفّعَ عنه المسلم إرضاءً لربه تعالى، ثم صيانةً لكرامته وعرضه، واحتراماً لأنظمة بلده، وتورُّعاً عن حقوق غيره.

ثالثاً: كتمانها والتواطؤ مع الشهود على طيِّ أخبارها، وإخفاء معالمها، وكأنها لم تكن يوماً من الأيام، وهذا تجنٍّ كبير من الفاعل، أما الوصِيُّ، أو من يُفوَّضُ إليه إخراج الوصية فإنّ كَتْمَهُ لها بالكلِّية أسوأ بكثير من تبديلها المنصوص عليه بالوعيد السابق؛ فإذا كان تطفيفها وبخس حق الـمُوصَى لهم إثماً يتحمَّلُهُ الفاعل، فجحدُها، والاستئثارُ بها أكبر وأفدح.

رابعاً: قد يكون الـمُوصَى به وقفاً على مصالح معينة بشروطٍ وقيودٍ، فيتلاعب الـمُحرِّفُ به، ويُسخِّرُ ما شاء من ريعهِ لمآربهِ الخاصة بشكلٍ مباشرٍ، أو غير مباشر، ويزدادُ الأمرُ شناعةً إن كان تصرُّفُهُ ذلك في غير المباحات من المعاملات المشبوهة من رشوةٍ وغيرها، فيكون في الظاهر قد نفّذَ الوصّية، لكنه في الواقع قد حرّفها وبدّلها، واعتدى على حقوق الآخرين فيها، ويستدرجه الشيطان بتزيين فعله هذا، وإيجاد المبررات الزائفة له.

وفي الختام: يجب أن يستصحب المسلم أن مقتضى الإيمان بالله وباليوم الآخر الاعتقاد الجازم بأحوال الآخرة من البرزخ فما بعده، وأن المرء بعد موته لن يكون مجرّد جثة هامدة ترقد في رقعة محدودة من الأرض، بل هو إما سعيدٌ، وإما شقيٌّ، ومرقده إما روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حفر النار، وبعمله الصالح من صدقةٍ ووصيّةٍ وغيرهما ينال السعادة والرفاهية في قبره، فإذا كنتَ أيها الإنسان الـمُتصرِّفُ في وصيّةِ أحدِ والديك محبّاً له حريصاً على سعادته، فنفِّذها على الوجه المشروع؛ لأنه أحوج ما يكون لريعِ وصيته، وإن بدّلتَ وحرّفتَ وغيّرتَ فاعلم أنك خائنٌ لأمانتِهِ، عاصٍ لأمرِهِ، وهذا من أبشعِ صورِ العقوق؛ لأنك كالساعي لحرمانِهِ من الخيرِ والسعادةِ والأنس قبل أن تحرمَ المستفيدَ الـمُوصَى له، فإذا لم تتصدّق عليه من خالص مالك الذي اكتسبته بعرق جبينك، فلا أقلّ من أن لا تمنعه ثواب ما تصدّق به من ماله، وإن كنتَ ممن يتصدّقُ على والديه فلا معنى لأن تبذل التبرع وهو صدقتك عليهما، وتمنع الواجب، وهو تنفيذ الوصية.