إن كانت المراوغة هي الأسلوب الحوثي تجاه «الحديدة»، فالخيار الآخر هو العودة لمربع التحرير القسري وبالكامل.

لم تترك المملكة سبيلاً لأي حل سلمي في الملف اليمني إلا وانتهجته، ولم يكن خيار الدخول في هذا الملف المؤثر في أمن المملكة واستقرارها مجرد قرار، ولكنه كان استجابة لطلب من حكومة شرعية في هذه الأرض الجارة، فحواه أن فئة ذات أجندة وانتماء لإملاءات خارجية تبغي الانقلاب على الشرعية، وسرقة السلطة جهاراً عياناً، وتهديد الجيران، وتحقيق مطامع خارجية ضارة باليمن والمملكة وأمن المنطقة كلها دون تخصيص.

كان الجناة الحقيقيون هم حكام طهران.. حين لم يجدوا سبيلاً لمنازلة المملكة وجهاً لوجه، فاختاروا طعنها من الخاصرة، حيث اليمن الشقيق وشعبه، وحيث المسعى للنفاذ إلى أرض الحرمين الشريفين، تهديداً لاستقرار المملكة وأمنها وثرواتها وعقيدتها.

وحين استجابت الشرعية بدعم المملكة والحلفاء لنداء الحل السلمي، واتفاقية استوكهولم، استجابت من موقف القوة، وكانت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق النصر الحاسم الذي يعود بموجبه ميناء الحديدة إلى الشرعية اليمنية، ومن ثم ينقطع الإمداد المادي للانقلابيين الذين استغلوه تكديساً للترسانة العسكرية، ومعبراً للدعم الواصل من إيران بكل نياته الخبيثة المبيتة ضد المملكة والمنطقة.

استجابت الشرعية والتحالف لاتفاقية استوكهولم من موقف قوة، فالبحث هنا كان بحثاً عن سلام وتسوية سياسية للاحتراب وخصوصاً في جانبه المتعلق بميناء الحديدة وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، ورغم أن هذه الاستجابة كانت بمثابة كسب للزمن من الجانب الحوثي وداعميه في طهران، إلا أن المبادئ ظلت هي الأعلى شأناً في قناعات المملكة وحلفائها تجاه الملف اليمني.

وضح الآن ان استوكهولم لم تكن إلا مهلة أرادها الحوثي وقادة إيران لالتقاط الأنفاس وتغيير مسرح الصراع بما يضيف مكاسب في مواجهة الخسائر العسكرية القوية التي منيت بها قوات الانقلابيين.

الحوثي أراد تعزيز مواقفه، وكسب الوقت بحفر الخنادق، وتجهيز مناطق التمترس، بدلاً من إعادة الانتشار الذي التزموا به سابقاً، ليكونوا جاهزين لحرب ضروس قادمة.. لا لسلام أظهروا بخبث أنهم يرتجونه.

نعم.. وضح أن الأمر لم يكن سوى خديعة وإضاعة للزمن وكسب للوقت، ولم يكن ذلك بخافٍ على كل ذي بصيرة.

الحديدة تبدو منزلقة بقوة لمربع الحرب مجدداً، وإذا حدث ذلك فكفة الميزان لن تكون أبداً لصالح الانقلابيين، فالمملكة وحلفاؤها لم يكونوا بغافلين عما يجري، وبذلك تكون القوات الحكومية اليمنية والسعودية وجيش التحالف قد استنفدت كل السبل السلمية لإعادة الشرعية إلى اليمن الشقيق، فلا يبقى إلا سبيل القوة لعودة الحديدة وصنعاء وكل اليمن إلى دوحة الشرعية الوارفة الظلال.