إن كونك ذكياً فقط، أو تعتقد أنك «ذيبان» بمصطلحات اليوم لا يكفي، ولا يعني امتلاكك الفطري لقدرات عقلية متميّزة، أو للعبقرية أن تكون ناجحاً في علاقاتك الاجتماعيّة وحياتك العمليّة؛ فقرود «الشمبانزي» تعد أكثر ذكاءً من الإنسان في الملاحظة، التذكر، سرعة البديهة، وحسن التصرف الذاتي؛ لكنها لا تحسن التصرف غالباً في علاقاتها؛ فتراها داخل «حديقة الحيوان» تتشاجر كثيراً، وتتعارك على أتفه الأشياء حول ثمرة موز أو حبة فستق.

إن ما يشكل حقيقة «الإنسان» وماهيته في الوجود ليس كمية الذكاء والقدرات العقلية لديه، بل ثراء حياته التفاعلية وخبراته، أو قدرته على التكيف والتناغم مع العالم المحيط رغم شدة تباينه واختلافه، أو ما يعرف اليوم بـ»الذكاء الاجتماعي» أو التفاعلي.

هذا النوع من الذكاء على عكس الذكاءات العقلية الأخرى، يعد مكتسباً أكثر من كونه فطرياً، ولا يرتبط في أساسه بالعلوم والفنون والدراسات الأكاديمية البحتة؛ بل يعتمد أساساً على الخبرة والممارسة والتفاعل الاجتماعي والمشاركة، ومن الممكن إكسابه وإثراؤه لدى المتعلمين على اختلاف قدراتهم، خصوصاً من لديهم استعدادات خاصة، وميول للأنشطة الاجتماعية، وروح القيادة والعمل في فريق، وهذه مهمة ضرورية في نطاق «التربية» بشكل أكبر؛ لأن تنمية ذكاءات الأفراد العقلية المتنوعة لا تكفي أبداً لتأهيلهم لسوق العمل وما بعد التخرج.

لخص عالم النفس الشهير «ثورندايك» هذا النوع من الذكاء في عبارة واحدة، هي: «التصرف بحكمة في العلاقات الإنسانية»؛ أي بقدرة الإنسان على التواصل البنّاء مع مجتمعه، وإنشاء علاقات شخصية خلاّقة مع الجميع، والمقدرة السحرية على التعامل مع الآخرين والمشكلات المختلفة والمواقف الاجتماعية الطارئة.

و»صاحبه» يمتلك مهارات التحليل الاجتماعي، واكتشاف مشاعر واهتمامات الآخرين وكسب ثقتهم، وغالباً ما يشار إليه على أنه «دبلوماسي» أو «صاحب إتيكيت»، أو «مُطبل» بلغة «تويتر» أيضاً؛ ليبدو واثقاً من نفسه وجذاباً ومؤثراً وله شعبية بين أقرانه.

ما يهمني هنا وأكثر، أن يظهر «الذكاء التفاعلي» أو الاجتماعي لدى المتعلمين داخل مدارسنا وجامعاتنا وقاعاتنا الدراسية بشكل تربوي مهني، والمسارعة على مساعدتهم وتوجيههم وحل مشكلاتهم بمشاركتهم هم أولاً، ومن خلال الاستمتاع بالعمل الجماعي المنظّم وأدوار القيادة، وتنمية ذكاء المتعلمين الاجتماعي «تربوياً» عبر: لعب الأدوار، المناقشات، العصف الذهني الجماعي، الأنشطة الجماعية المختلفة، مهارات التفاوض وفض المنازعات الفرضي، التخطيط والقيادة، التعلم التعاوني، والأنشطة التطوعية.

ختاماً، يُفترض أن يتطلّع الأذكياء اجتماعياً في المستقبل إلى أن يكونوا مستشارين، قادة سياسيين، رجال أعمال، أصحاب مؤسسات ومشروعات اجتماعية كبيرة، شريطة ألا يكونوا كـ «الشمبانزي» بالطبع!