إن من أخطار التطور والتحديث والتأثر بثقافة الوافد ما نتج عنها مما يسمى «الذهنية العربية الحديثة»، وأهم ما في ذلك يتلخص في: ثقافة اختزال التاريخ والتأويل، ثقافة الوافد والموروث، ثقافة المُنَتج والمنهج..

سبق أن كتبت نصا مسرحيا عام 1994 بعنوان (فنجان قهوة)؛ وذلك لأنني حينها قد قرأت حال الأمة العربية عموما ودول الخليج خصوصا، وفي ذلك الاتساق المعدوم بين المنهج والمنتج، فحالنا حال سائر الوطن العربي، لا نحتمل مخاطرة اتباع المنهج، ونركن طواعية ورفاهية لكل منتج جديد، دونما تعرف على كيفية تصنيعه وإنتاجه، وهذا ما يعرض الشخصية العربية إلى متاهة دائرية لا تنتهي، وفي فراغ لا فكاك منه.

تتلخص أحداثها في "رجل عربي ثري "جاسم"، يقطن القصور الفارهة، ويحتقر الدلة العربية لصنع القهوة؛ فيستورد جهازا خاصا لصنع القهوة العربية، ويستورد معها خادما يفهم طريقة تشغيلها وفك شفرتها، فلا يستطيع أي أحد تشغيلها سواه. وفجأة يُحجِم العامل عن تشغيلها، فلا قهوة في البيت؛ لأنه تخلى عن أدواتها واستورد آلة لا يفقه كُنهها، بينما يحضر الجد حاملا معه دلته، ويشب ناره ويصنع قهوته، إلا أن جاسم لا يمكن أن يشرب القهوة في أوانٍ ومعدات قديمة، وتتأزم الأحدث وتتطور حتى تعم المدينة كلها؛ لأنهم جميعا تخلوا عن الدلة والمحمصة وما إلى ذلك، حتى تدور الرؤوس شوقا إلى فنجان قهوة"، تلك هي أزمة النص، وتلك هي الأزمة بين المنتج والمنهج فيمن يمتلك المنتج من دون منهج!

إن من أخطار التطور والتحديث والتأثر بثقافة الوافد ما نتج عنها مما يسمى "الذهنية العربية الحديثة"، وأهم ما في ذلك يتلخص في: ثقافة اختزال التاريخ والتأويل، ثقافة الوافد والموروث، ثقافة المُنَتج والمنهج.

فثقافة اختزال التاريخ هي اختزاله واختصاره في شكل أيقوني في مفهوم التاريخ نفسه، مثل: الأزياء، والمعمار، والسلوك البشري. وعلى سبيل المثال، اختزال البطولات العربية في شخص معين، وتبجيله بشكل محموم، وإغفال جل البطولات والفتوحات، أو اختزال المشكلات العربية في شكل معاهدة بعينها، وما إلى ذلك، واختزال مجد الشخصية العربية في كلمات موجزة، فأغفلنا كل ما ورد من مجد عربي في تاريخنا عبر العصور؛ أما الاختزال والتأويل فهو أن تقوم الشخصية العربية بالاستشهاد بأقوال مجتزأة من السابقين على سبيل المثال، وتختزل القول، وتعيد تأويله، مثل مقولة: (ولا تقربوا الصلاة..)، ويتناسون الشرط الآخر: (وأنتم سكارى) على سبيل المثال، فيضع الجملة من دون شروطها، ويعيد تأويلها وفق رؤيته الخاصة.

هذه هي ثقافة الاختزال والتأويل التي صدعنا بها (الكلمنجية) من أنصاف الإعلاميين والمثقفين في زمن اختزال التاريخ واختزال المعرفة، وفي زمن الفوضى الثقافية والمعرفية، وهذا واقع شهدناه في أقوال بعض الإعلام والثقافة والجدل الشخصي؛ للانتصار للذات ليس إلا، على حساب المعرفة والثقافة والعلم والتاريخ، وغير ذلك من الثوابت التي طالما اهتزت في واقعنا المعاصر، مثلما اهتزت القيم تحت نير النظريات المستوفدة، التي تحدثنا عنها في مقالاتنا السابقة، ومنها العولمة والتفكيكية المعرفية والمجتمعية، والشرق الأوسط الجديد، وما إلى ذلك من ترهات تزعزع حجر الزاوية في المجتمعات لا محالة.

أما ثقافة الوافد والموروث فهي انحصار الشخصية بين هذين الحدين، فهذان الحدان جعلا الذهنية العربية ذات مفهوم خاص، فاختزل الموروث في شكل أيقونات، كالزي أو نمط الحياة؛ فنجد الشخصية تقع تحت نير الموروث من عادات وتقاليد ذات سلطة وجدانية، وفي الوقت نفسه تتنازعها ثقافة الوافد، من تمدّن وانفتاح على ثقافات عالمية، ودعوات تحررية، تجعل الشخصية تتماهى أحيانا، إلا أنها لا تزال تنجذب نحو الإرث القبلي القابع في اللاشعور بالنسبة إلى الشخصية؛ ذلك لأن الفترة الزمنية في هذا التطور والتحديث ليست كافية على هذا التمازج والاتساق، ما يسبب كثيراً من المشكلات لهذه الشخصية.

أما إذا ما دلفنا إلى ثقافة المنتج والمنهج، فسنجدها أيضاً تأتي نظراً لقصر زمن هذا التطور، وانحسار الفجوة بين هذين الحدين إلى درجة تقلص من تطوير المنتج أو إنتاجه، وهذا التحديث ونظراً لتكوين الشخصية وخصائصها التي استنتجناها فيما سلف، جعلت ثقافة المنتج هي السائدة، من دون ثقافة المنهج، والوقوف بين المُنتج والمنهج أمر حوّل هذه الشخصية إلى مستهلك لا ينتج، ولا يتناول منهج إنتاج ما يستهلكه، فيظل المنهج بعيداً عن يد وعقل وتفكير الشخصية، بينما المنتج في متناول يدها، ما يعرّض تلك الشخصية نادرة الوجود إلى شكل نمطي قد يهدد الهوية ذاتها، وهنا تكمن الكارثة.

ولهذا انتبهت حكومتنا الرشيدة إلى هذا الأمر الخطير، فمضت صارمة في تطوير الدولة وأدواتها في رؤية 2030، التي أسست لتطوير المنهج، وتقليص الاعتماد على النفط وعلى الاستيراد، بل التفكير في إنشاء المصانع، واستيراد الخبرات، انتهاء بفتح آفاق الاستثمارين العالمي والمحلي، ما يحمي الشخصية ذاتها من التهالك بين ترسيخ المنتج والمنهج، الذي قد يؤدي بنا إلى التآكل الذاتي لا سمح الله.