لعل من أهم صفات المجتمع المتحضر هو قدرة أفراده على التعايش السلمي رغم الاختلافات. فالمجتمع المتحضر هو المجتمع القادر على البناء على مثل هذه الاختلافات نحو تحقيق نطاق توافقي أشمل يعمل فيه الجميع لخدمة الوطن بصفته جغرافيا التعايش المتاحة لهذا المجتمع في هذا العالم. ومع الأسف أن هناك بعض الخلل في ميكانزم تقبل الاختلاف في مجتمعنا السعودي على الرغم من وجود الكثير من جوانب الاتفاق بيننا والتي تفوق جوانب الاختلاف. فتاريخنا واحد ويمتد على أرض هذه الجزيرة الطيبة إلى ملايين السنين، ولغتنا العربية واحدة، وديننا واحد وقد نبعت رسالة الإسلام الخالدة من هذه الأرض المباركة، وولاؤنا جميعاً لهذه الأسرة المباركة.

ومع هذا نجد أن هناك من ينتقد شريحة معينة أو فئة اجتماعية معينة نظير اختيارها من بين كم الخيارات المتاحة والمقبولة دينياً واجتماعياً وكأنه ينصب نفسه على خيارات الناس وقدرتهم على الاختيار. وهذا السلوك غير مقبول البتة من أي طرف كان سواء من الناحية الشرعية أو من الناحية القانونية أو حتى يناقض مفهوم الليبرالية جملة وتفصيلاً والتي يتغنى بها بعض هؤلاء المنتقدين.

حيث قام أحد الأكاديميين بانتقاد مجموعة من الفتيات السعوديات لسبب واحد فقط وهو أنهن "منقبات!". مع أن النقاب هنا جاء نتاج عملية اختيار من قبل هؤلاء الفتيات، والواجب احترام خيارهن تماماً، كما نحترم خيار من لا تضع النقاب. ثم يواصل لينفي عن المنقبة قيمة أن تكون قدوة للمجتمع في صورة واضحة من صور ضيق الفكر والجهل بقيمة التعايش السلمي المبني على احترام خيارات وقناعات الآخرين ما دامت هذه الخيارات والقناعات تتسق مع أنظمة وقوانين الوطن وتراعي قيمه الاجتماعية. حيث يقول: "عجزت استوعب الطبيبة أو الصيدلانية المنقبة.. هذا وأنتي دارسة ومتعلمة! وش خليتي لحصة ومزنة؟!". هذه الجملة جاءت محملة بكم كبير من ضيق الفكر والعنصرية وعدم التسامح. فنحن أمام فريقين: فريق الدارسات والمتعلمات، وهؤلاء لا يمكن أن يضعن النقاب، ولا يمكن أن يحملن اسم حصة ومزنة، وهن قدوات المجتمع. وبالمقابل هناك الفريق الثاني: وهن حصة ومزنة، وهؤلاء هن من يقبل منهن وضع النقاب، ولا يمكن أن يكن قدوة للمجتمع، حتى وإن كن من الدارسات والمتعلمات!

إن وطننا ولله الحمد وعلى يد خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين يقفز قفزات نحو التطور الاجتماعي الذي سيمنح للناس المزيد من الحقوق والاختيارات، وواجبنا كمواطنين احترام حق الناس في خياراتهم. والأهم من كل ذلك وجود قوانين رادعة لمن يعتدي على هذا الحق.