من أقوى الوسائل لانتشال الأفراد في المجتمعات من كثير من المخالفات، وجعلهم ينقادون إلى الصواب طوعًا هو تقريبهم إلى الله أولاً، وتحبيب ربهم إليهم، وتهيئة نفوسهم لتكون حريصة على إرضاء محبوبهم..

قد لا أجد في مثل هذه الأحوال والأزمنة الحرف أو الكلمة التي توصل المراد المفقود، وذلك أن الصورة التي رسمها "فقه القول الواحد" قد اكتملت بأبعادٍ توحي بلسان حالها ومقالها إلى أنها الوجهة التي لا ينبغي للمجتمع أن يلفت إلا إليها! ولم تترك تلك اللوحة مجالاً لأحد أن يضع فيها نقشًا بريشة مخالفة، ولم يقتصر الأمر على ذود أفكار وفقه الآخرين عن هذه الواجهة، بل تعدى الأمر إلى شيطنة كل من حاول بكلمة أو بهمسة، وقد بان لعامة المسلمين وكثير من فقهائهم خطأ هذا الادعاء، وأن الصورة الحقيقية "للتدين" يجب أن يشترك في صناعتها كل الفقهاء والعلماء والأئمة على قاعدة "نختلف ونأتلف"، وهي القاعدة العتيقة التي نشأت ابتداءً من العهد النبوي مرورًا بأزمنة الخلفاء والأئمة.

وليس حديثي عن هذه الجزئية من الصورة؛ إذ قد تكلمت عنها مراراً وتكرارًا، ولكن حديثي عن جزئية أخرى لا تقل شأنا، قد رافقت تلك الصورة وأحدثت خللاً في مفهوم السير إلى الله، إذ حرصت على إفهام المجتمع أن المعاملة مع الله محض أمرٍ ونهيٍ وحلالٍ وحرام، وسيطرت على هذا النمط "مصطلحات فقهية" "ونقولات مروية" قيدت وليس مراد من نقلها وقيدها التمسك بها من دون النظر إلى الحالة الاجتماعية والدينية التي قيلت فيها، وفقدت تلك الصورة اللون الأهم فيها وهو ما يجعل الناظر يسر به ويشخص بصره إليه، وهو اللون الذي حبب به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الربّ إلى خلقه، "أترون هذه طارحة ولدها في النار" قال الصحابة: لا، وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها". وهذه ليست مجرد رواية يسردها عليهم ويذكر فيها الدلالات والأقوال، وإنما هو منهج تأصيلي يصنع مجتمعًا يسير إلى الله في ضوء "يحبهم ويحبونه".

وحين يخاطبهم صلى الله عليه وآله وسلم في أداء واجب أو فعل مستحب لا يضع عليهم الحكم الفقهي مجردًا عن مرغبات تدفع إلى فعله، "إن من أقربكم إلي يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا" فحسن الخلق لا يتأتى بغير كد وحرص من معلم، وحين قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدق محبتهم له وخوفهم ألا يبعدوا عنه في الآخرة أخبرهم بأخصر طريق وأجمله، فيستحيل ألا يتخلقوا بأخلاقه وهم حريصون على مرافقته في الجنة.

إن وجود المعصية والعاصي والخطأ والمخطئ أمر لا بد منه قدرًا، وما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب إلا لإنقاذ البشر من المعصية والخطأ، ومن أقوى الوسائل لانتشال الأفراد في المجتمعات من كثير من المخالفات، وجعلهم ينقادون إلى الصواب طوعًا هو تقريبهم إلى الله أولاً، وتحبيب ربهم إليهم، وتهيئة نفوسهم لتكون حريصة على إرضاء محبوبهم، فيكون الفرد والمجتمع هو من يبحث عن الحلال ويبتعد عن الحرام، ويكفيه القليل من القول، اعتمادًا على ما قر في نفسه من المحبة وحب الطاعة.

وفي مثل أزمنتنا هذه فقدنا الكثير والكثير من هذه المسالك الربانية، بل أصبح الكثير من الوعاظ ونحوهم ينفرون من مجتمعاتهم، ويعتذرون عن تقصيرهم بجهل المجتمع، وأن المجتمعات تسير إلى الهلاك، وأن من يحيي مسالك السلف في مراعاة الزمان والمكان والأخذ بما يقرب إلى الله ويحبب الله إلى الخلق، ويفتح باب التيسير ورفع الحرج فذلك الذي توجه إليه سهامهم، وتبذل لشيطنته جهودهم، ونحن لسنا بأحوج للنظر في كثير من المسائل من زماننا هذا، حيث انفتح العالم على المعرفة، وتساوى الجاهل بالعالم في قدرة الوصول إلى المعلومة، وتوسعت التجارات واتسع العمران، وتواصلت الشعوب، بحيث يجب التفكر والتأمل مليًّا قبل أي فتوى أو موعظة؛ حتى لا نقع في تبغيض الدين للمجتمعات، وإبعاد الخلق عن خالقهم. هذا، والله من وراء القصد.