قد يكون قرار السماح بالعروض الموسيقية في المطاعم والمقاهي من أهم القرارات الداعمة لصناعة الأغنية في المملكة وليس صناعة الترفيه فحسب، نظراً لما سيترتب عليه من آثار كبيرة على سوق الفن ونشاط الفنانين السعوديين؛ الكبار منهم والمبتدئين.

لا وجود لفن متطور بلا سوق حقيقية ينشط فيها الجميع وتحتوي على منصات تنافسية ومنافذ بيع كثيرة. مثل هذه السوق كانت موجودة جزئياً في المملكة في الثمانينات الميلادية مع نهضة الكاسيت، حين كانت المدن السعودية تمتلئ بشركات الإنتاج التي تلتقط أي فنان، وبالأستريوهات التي تبيع آلاف النسخ أسبوعياً. كان هناك حراك فني حقيقي، وغزارة في الإنتاج، ووفرة في المطربين، وذلك فقط لأن مواصفات «السوق» الفنية كانت موجودة ولو بشكل جزئي.

ولسبب ما تلاشت هذه السوق منذ منتصف التسعينات، فاختفت شركات الإنتاج، وانسحب الفنانون، وانطفأ وهج الأغنية السعودية لضمور الإبداع وضعف الإنتاج وغياب التنوع. وبقي المبدع السعودي حبيس بيته لا يجد منصة تستوعبه، ولا مكاناً يعمل فيه بشكل دائم ويمارس فيه موهبته ويكسب من ورائه دخلاً يضمن له النمو والاستمرار. ولم تستطع الحفلات الغنائية العامة من سد هذا الخلل، لأنها مهما توسعت في استقطاب الفنانين، تظل محدودة وذات نطاق ضيق ولا تكاد تصل إلى 20 حفلة سنوياً، وهذا رقم ضئيل بالنسبة لدولة بحجم المملكة وبتنوعها الجغرافي والاجتماعي.

وسط هذا الجدب الفني والفقر الإبداعي والمادي، جاء قرار السماح بالعروض الموسيقية ليمنح صناعة الأغنية أملاً جديداً في الحياة، ويحفّز الفنانين من كل لون موسيقي وغنائي للتحرك في سوقٍ مفتوحة عمادُها آلاف المطاعم والمقاهي المبثوثة في جميع مدن المملكة.

سوق بهذه الحجم تعني ببساطة أن المملكة على أعتاب نهضة فنية كبيرة، يجد فيها أصحاب المواهب فرصة لتطوير إنتاجهم، وضمانة لدخل جيد يضمن لهم عيشاً كريماً بعيداً عن ضغوط متعهدي الحفلات، وابتذال القنوات التلفزيونية. الآن سيصبح مجال الأغنية مغرياً للمواهب السعودية كي تخرج من سباتها الطويل وتعود للمنافسة أكثر قوة ونشاطاً.

وفي بلد كبير مثل المملكة فإن المواهب الموسيقية ستكون بالآلاف وبشكل سيدهش حتى أكثر المبشرين بالنهضة الفنية المقبلة، ومثلما رأينا في السابق محمد عبده وطلال مداح وعلي عبدالكريم وسعد جمعة وخالد عبدالرحمن ومزعل فرحان وفهد بن سعيد وفتى نجران، إلخ إلخ، وهم يغنون في وقت واحد ويتنافسون في وقت واحد، سنرى مثل ذلك أضعافاً كثيرة بعد السماح للمطاعم والمقاهي بتنظيم أمسياتها الفنية الخاصة.