أيقونات سعودية

عبدالكريم الجهيمان.. ابن القريتين.. سادن الأمثال والأساطير

من كان يظن بأن ذلك الطفل الصغير الذي نشأ في قرية ريفية يمتهن أهلها نقل الأحمال بين القرى والبلدات وكان يُطلق عليهم «الجماميل»، سيكون بعد سنوات واحداً من أهم الرموز الثقافية في المملكة العربية السعودية.

يُعدّ الأديب الموسوعي عبدالكريم الجهيمان الذي عاش رحلة 60 عاماً برفقة القلم، في طليعة الرواد السعوديين الذين ساهموا في تأسيس الحركة الثقافية والصحفية السعودية.

ولد عبدالكريم بن عبدالعزيز الجهيمان في العام 1914 في قرية صغيرة تسمى غسلة، تُجاورها قرية أخرى تُدعى الوقف، ويُطلق على القريتين «القرائن» وتقع في الوشم وهو أحد الأقاليم التاريخية التي تتألف منها منطقة نجد، وكان والده من غسلة وأمه من الوقف.

عاش عبدالكريم الجهيمان طفولة غير مستقرة، حيث انفصل والداه وهو لم يتجاوز بعد الرابعة من عمره، وكان يُقيم فترة في قرية غسلة عند والده وأعمامه، وأخرى في الوقف عند أمه وأخواله، ولعلّ هذه المعاناة المبكرة، هي من ساهمت في تشكيل شخصيته العصامية والمتمردة فيما بعد.

وبين القريتين، تعلم مبادئ القراءة والكتابة بالطرق التقليدية المتبعة في تلك الحقبة الزمنية التي كتب عنها في مذكراته: «كنا نتعلم القراءة والكتابة على رمالنا النقية، وكنا نصنع ألواحاً عريضة تنوب عن الأوراق، وكنا نطلي هذه الألواح بمادة جيرية نسميها «الصالوخ» أي القطع التي تنسلخ من الجبل، فنطلي بها الألواح ونكتب عليها، فإذا حفظنا ما كتب عليها، محوناه مع الطبقة الجيرية التي طلينا بها الألواح، ثم نعيد عجنه ونطبخه، حتى ينعقد، ثم نعمل منه أقراصاً نجففها، ثم نستعملها في الدواة، والدواة زجاجة ترد إلينا من الخارج، أما الأقلام فتتم صناعتها من قصبات الأشجار».

في الثالثة عشرة من عمره، سافر مع والده إلى الرياض، ودرس على علمائها مبادئ النحو والفرائض، ثم قصد مكة المكرمة والتحق بالمعهد العلمي السعودي لمدة ثلاث سنوات، وبعد تخرجه عمل مدرساً في عدة مدارس، وفي العام 1930 انتقل إلى محافظة الخرج وتولى إنشاء المدرسة النموذجية الأولى في مدينة السيح.

تنقل في عدة وظائف ومجالات، ثم كانت نقطة التحوّل الكبرى في حياته، حينما انتقل إلى المنطقة الشرقية وأسس مع صديقه عبدالله الملحوق أول جريدة فيها وكان اسمها «أخبار الظهران»، ثم أصبح اسمها بعد ذلك «الظهران».

ويُعتبر الأديب عبدالكريم الجهيمان أو «أبو سهيل» وهي كنيته المحببة لديه ولمريديه، أحد رموز التنوير والإصلاح الاجتماعي الذي رهن قلمه لمحاربة الجهل والتخلف والخرافة، ومن أوائل المنادين بتعليم المرأة وذلك من خلال مقالاته وكتاباته، في وقت لم تكن فيه مدارس لتعليم البنات، كما عُرف عنه جرأته وصلابته في مواجهة الأفكار والقناعات التي لا يومن بها، وقد تعرّض بسبب ذلك للكثير من المواجهات والضغوطات والإيقافات.

وقد تنوعت عطاءات وإبداعات هذا الأديب الموسوعي، ما بين الأدب والتأليف والشعر والتراث وأدب الرحلات والصحافة، كما ألف وأعد الكثير من المقررات والمناهج الدراسية لمراحل التعليم العام وكذلك الجامعي. ومن أشهر كتبه «أساطير شعبية من قلب الجزيرة العربية» في خمسة أجزاء، و»موسوعة الأمثال الشعبية» في عشرة أجزاء، وكتاب «رحلة مع الشمس»، وكتاب «ذكريات باريس». كما كُتب عن سيرته ومسيرته الكثير من المؤلفات والدراسات والمقالات، منها: كتاب «سادن الأساطير والأمثال» وهو من إعداد محمد القشعمي، وكتاب «الفكر التنويري عند عبدالكريم الجهيمان» تأليف منيرة الحربي وهو بحث أكاديمي للحصول على درجة الماجستير في التربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وكتاب «من مذكرات كاتب - رحلة أبي سهيل» تأليف ناصر الحميدي.

وقد نال الأديب عبدالكريم الجهيمان العديد من الألقاب والأوسمة والتكريمات، منها: وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى في مهرجان الجنادرية الشهير وذلك في العام 2001، كما كُرّم من قبل وزارة الثقافة والإعلام وذلك في معرض الرياض الدولي للكتاب في العام 2008.

وفي 2 ديسمبر من العام 2011، وعن عمر حمل قرناً من الزمن، توقفت «خفقات قلب» الأديب عبدالكريم الجهيمان للأبد، ولكنه تحوّل إلى أيقونة وطنية خالدة، نُسجت حولها الكثير من «الحكايات والأمثال والأساطير».

ما أروع حياة هذا الرائد الوطني الذي عاش كل حياته بين «دخان ولهب»، ولم يكن يسأل مطلقاً «أين الطريق»، لأنه كان يعرف طريقه جيداً، نحو فيافي الوعي وسماوات العقل وفضاءات العلم.












التعليقات





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع