إذا أردت أن تنهي تاريخ بلد ما فعليك أولا أن تدمر ثقافته.. وهذا يقودنا إلى ما تتعرض له الثقافة اليمنية على جميع المستويات من تدمير بإحراق الكتب وقتل وأسر ومطاردة المفكرين والكتاب والادباء والشعراء ونهب الاثار وتهريبها وبيعها وتدمير البنى التحتية للمواقع التاريخية والأثرية ومحاربة المسرح والفنون واستغلال المنشآت الثقافية عسكريا وتحويلها الى ثكنات.. في هذا الحيز تحاور «الرياض» وكيل وزارة الثقافة اليمني بدر الصلاحي، ليتحدث عن حرب فكرية وعنصرية تتعرض لها اليمن علاوة على الحرب العسكرية التي تشنها ميليشيات الحوثي على البلاد والعباد، منوها بدور المملكة الريادي في إنقاذ اليمن من هذه الحرب والمعضلة الانسانية والثقافية معتبرا إياها القلب النابض للعالم العربي والإسلامي وواصفا دعمها بالشامل لكل مناحي الحياة في اليمن..* بداية، ما الذي يشغل فكر بدر الصلاحي في هذه اللحظة؟

يشغلني ويؤرقني عبث مرتزقة ايران في وطني، والذي أعمل جاهدا للدفاع عنه بما اوتيت كويل لوزارة الثقافة اليمنية، فأنا قبل كل شي مواطن يمني يحمل في قلبه هم وطن جريح يرفض الظلم والاضطهاد ومصادرة الحقوق المكفولة في الدستور ومدافع عن وطن تعبث فيه مرتزقة لا تؤمن بالمواطنة، تمارس كل أنواع العنصرية والمذهبية المقيتة التي ينبذها الشعب اليمني، وسنستمر بنضالنا ضد كل من يريد أن يجعل اليمن بؤرة للإرهاب بشقية العسكري والفكري.

«الملزمة الحوثية» تحل محل المراجع الدينية

«المثقفون» قتلى ومطاردين لحسر تأثيرهم الشعبي

  • في ظل الأوضاع الراهنة ما هي أبرز الإشكاليات التي تواجهونها؟

الحقيقة الإشكاليات كثيرة ليست لشخص بدر الصلاحي بل للوزارة بأكملها خصوصاً أننا في حالة حرب عبثية تقوم بها مليشيات الحوثي ضد الشعب اليمني، عسكرية وفكرية وعنصرية. ونحن في وزارة الثقافة علينا مسؤولية كبيرة في مواجهة الفكر بالفكر، وهذا عمل كبير يحتاج إلى دعم، فالحرب الفكرية هي أخطر بكثير من الحرب العسكرية، كونها حرب ناعمة تصل إلى كل بيت عبر وسائل التقنية الحديثة وتحتاج إلى إمكانيات كبيرة مادية ولوجستية لإفشالها وفضحها وتحصين أبناءنا من مخاطرها. وهذه أحد وأهم الإشكاليات التي نواجهها أضف إلى ذلك إن المناطق التي تحتلها المليشيات تتعرض لتدمير منشآت ثقافية وتاريخية، لم نستطع وقف هذا التدمير العبثي بسبب سيطرة المليشيات عليها، لكننا نحاول أن نقدم شيئا وفق الإمكانيات المتاحة لإنقاذ ما يمكن من تراث إنساني وحضاري ضارب في جذور التاريخ من عبث الحوثيين.

  • وماذا عن دور المثقف اليمني في ظل هذه الظروف العصيبة؟

المثقف اليمني داخل الوطن وخارجه يعمل وفق المتاح برغم الممارسات القمعية التي يتعرض لها من مليشيات الحوثي إلا انه قوي بإرادته التي يستمدها من حُبه للوطن وقناعاته بأن الحرب العبثية التي يشنها عملاء إيران هدفها تدمير اليمن وطمس هويته العربية الإسلامية وعزل اليمن عن محيطه الجغرافي ومن هذه القناعات تجد المثقف اليمني حاضراً في كل الجبهات حتى أن البعض انضم إلى صفوف المقاومة ويحمل السلاح إلى جانب الفكر والقلم للدفاع عن الوطن.

  • إذا هناك حرب أخرى ضد الثقافة والمثقفين؟

الحوثيون لم يتركوا شيئا في اليمن إلا حاربوه والثقافة اليمنية ومثقفوها كانت أهم أولوياتهم كون الحوثيين لديهم مشروع مذهبي بفكر صفوي عنصري، والجبهة التي تواجههم هي جبهة المثقفين لذلك سعوا إلى قتل واعتقال الكثير منهم لشعورهم بتأثير هؤلاء المثقفين على المجتمع وتحذير المواطن من تأثير هذا الفكر التدميري وإفشال ما يسعون إليه، وهناك الكثير من المثقفين والكتاب والمبدعين في كل المجالات الثقافية وأساتذة الجامعات لا زالوا في السجون. أضف إلى ذلك المطاردين والمبعدين قسرياً وهذا النهج هو ضمن خطتهم بتغييب صوت المثقفين والمبدعين الذي كانت أصواتهم مسموعة وتأثيرهم كبير، ويمثلون خطر على عصابات الحوثيين ومشروعهم المذهبي. والحقيقة الأسماء كثير لا يسعنا سردها.. فلدينا تقارير مفصلة بهذا الخصوص وقد قمنا بتقديم كشوفات لمنظمة حقوق الإنسان عبر وزارة حقوق الإنسان اليمنية.

تهريب نسخة من التوراة تعــود لـ 800 سنة إلى (إسرائيل)

المواقع التراثية دمرت وحولت لثكنات عسكرية

  • هل طالت يد التدمير المؤسسات الثقافية؟

التدمير وصل إلى كل مرافق مؤسسات الدولة ومنها مرافق وزرارة الثقافة التي تعرضت إلى تدمير المنشآت الإدارية والمراكز الثقافية والمسرح والمكتبات والتدمير الآخر هو نهب كل ما تحتويه المكتبات من الكُتب الثقافية والمراجع التاريخية وإتلافها، والتي تتعارض مع نهجهم واستبدالها بثقافة "الملزمة" التي كتبها حسين بدر الدين الحوثي، والتي لا تنسجم وموروثنا الثقافي العربي الإسلامي، وهذه الأعمال لا إنسانية لم يفعلها إلا من لا أخلاق لهم ويعملون وفق أجندات خارجية هدفها إغراق المنطقة بحروب مذهبية بشعارات زائفة مفضوحة.

  • اليمن تزخر بالكثير من المواقع التاريخية ما أبرز الأضرار التي وقعت عليها؟

منذ الوهلة الأولى للحرب وحتى ما قبل الحرب عمدت مليشيات الحوثي على طمس هوية اليمن التاريخية الحضارية. الحقيقة ان اليمن مليء بالمواقع التاريخية والأضرار أصابت معظمها سوى بالتدمير أو بنهب بعض آثارها وأهم هذه المواقع هي صنعاء القديمة المُصنفة ضمن قائمة مدن التراث العالمي، فقد تعرضت لكثير من الدمار وكذلك مدينة زبيد التي تتعرض إلى انتهاك صارخ وهي ضمن معالم التراث الإنساني العالمي وتستخدمها المليشيات لأغراض عسكرية وتخزين الذخيرة والمعدات وتحصين عناصرها، وفي مأرب 25 موقعا اثريا تعرضت لقصف مدفعي عنيف، ومدينة "براقش التاريخية" في محافظة الجوف دمرت، وفي تعز دمرت "قلعة القاهرة" التاريخية، وهناك انتهاكات في عدن وشبوة والضالع وعمران واب والبيضاء، والكثير لا يسعنا سردها.

  • هل لكم تواصل مع اليونسكو في هذا المجال؟

تواصلت ووزارة الثقافة اليمنية مع كل المنظمات الدولية ومنها اليونسكو، وقدمت الكثير من التقارير لكل ما تتعرض له بلادنا من دمار مُمنهج يُدار وفق خطة تدميرية بدعم إيراني لطمس معالم الحضارة والتاريخ الذي تزخر به اليمن فهناك نهب للآثار القديمة الموجودة في المتحف الوطني بصنعاء، والبعض تم نهبها من المواقع الأثرية من خلال مافيا منظمة متخصصة في التهريب والاتجار بالممتلكات الثقافية والآثار لبيعها والاستفادة من ثمنها في دعم التمرد على الشرعية، وقد تم ضبط بعض هذه الاثار التي كانت في طريقها إلى إيران. أضف الى ذلك إن المليشيات ساعدت في تهريب نسخة من التوراة إلى إسرائيل يعود تاريخها إلى ما قبل 800 عام وهذه الأعمال تم الإبلاغ عنها للمنظمات الدولية ومنها اليونسكو، ومحاربة هذه الأعمال يجب أن تكون من خلال التعاون الدولي ومن خلال الاتفاقية لمنظمة اليونسكو لحظر ومنع استيراد وتصدير الممتلكات الثقافية كون الاتجار بآثار وتراث الشعوب جريمة يحرمها القانون الدولي.

  • كيف تصف التعاون بينكم وبين المملكة في الجانب الثقافي؟

التعاون بيننا وبين الأشقاء في المملكة قديم وبتوجيهات من معالي وزير الثقافة مروان دماج التقينا مؤخراً بالإخوة في هيئة الثقافة السعودية، وكان لقاء أخويا صادقا وتم الاتفاق على إقامة أسبوع ثقافي يمني في المملكة تم تحديد شهر 5/2019م كموعد له. هذا الأسبوع سيكون متنوعا كالمسرح الغنائي والتمثيلي والرقصات الشعبية والفن التشكيلي والكثير من الفعاليات الأخرى، وهذا سيكون بدعم هيئة الثقافة السعودية، وبالتأكيد سيساعدنا كثيرا لعرض موروثنا الثقافي والتاريخي والحضاري خصوصاً وأن المملكة تحتضن ملايين البشر ومن كل الجنسيات وهذا سيكون له الأثر وعامل مساعد لإيصال رسالتنا إلى العالم.

المملكة العربية السعودية هي القلب النابض للعالم العربي والإسلامي ودعمها للجوانب الإنسانية لا يقتصر على جانب واحد فكل مناحي الحياة في اليمن وصلت يد العون والمساعدة من المملكة إليها، ونحن في وزارة الثقافة بدأنا بالتواصل من خلال هيئة الثقافة السعودية وبالتأكيد سيكون دعم المملكة للجانب الثقافي لليمن حاضرا والتنسيق والتبادل الثقافي والمعرفي بيننا قديم وللمملكة إسهامات كبيرة في دعم اليمن في الجانب الثقافي ونحن على ثقة كبيرة بأن المملكة ستسهم بإعادة وتأهيل المرافق الثقافية المدمرة التي نسعى إلى إعادة تأهيلها وإعادة وهج الثقافة اليمنية إلى سابق عهدها.

  • مشاركاتكم في الملتقيات الثقافية ومعارض الكتب في المملكة والخليج والوطن العربي.. كيف تراها؟

شاركنا في الكثير من المؤتمرات الثقافية وأخرها المؤتمر الإسلامي الاستثنائي لوزراء الثقافة في مملكة البحرين، وتحدث فيه وزير الثقافة مروان دماج عن أهمية الدور الثقافي في محاربة الفكر الحوثي الفارسي العنصري الذي تريد إيران أن تغرسه في مجتمعنا اليمني ومنه إلى دول الجوار. وأيضاً شاركنا في معرض جده الدولي الرابع للكتاب من خلال جناح للهيئة اليمنية للكتاب وجناح التراث الثقافي والمسرحي الذي شارك فيه الطلاب اليمنيون المبتعثون بجامعة الملك عبد العزيز، وقد حظيت مشاركتنا باهتمام من زوار المعرض والذين تعرفوا من خلال مشاركتنا على ثقافة الإنسان اليمني الغنية بأشكالها المختلفة، وفي معرض القاهرة للكتاب، وهذا الحضور سيساعدنا على توصيل رسالتنا الإنسانية والثقافية للعالم وتبييض الصورة المشوهة التي شوهتها المليشيات الانقلابية من خلال أعمالها القذرة بقتل الأطفال والنساء والشيوخ وتجنيد الأطفال والزج بهم في محرقة الحرب وتدمير دور العبادة وغيرها من الأعمال التي لا يعملها إلا حاقد على الإسلام وبلاد المسلمين.

  • كلمة أخيرة تريد قولها في ختام هذا اللقاء؟

أوجه الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان والشعب السعودي الكريم على موقفهم العربي والإسلامي الأصيل إلى جانب أهلهم وإخوانهم في اليمن الذين يتعرضون لحرب إبادة من قِبل مليشيات الحوثي المدعومة من إيران؛ وهذا الموقف سيظل محفوظاً في قلوبنا وسيدوّن في بطون الكُتب ليكون شاهداً بصفحات التاريخ الناصع الذي تتمتع به مملكة الخير والعطاء منذ تأسيسها، وأقدم الشكر والتقدير لجريدة "الرياض" على اهتمامها بالشأن اليمني والعربي، والتي لا تخلو صفحاتها من تناول القضايا العربية والإسلامية، وهذا ليس بغريب على صحيفة العرب "الرياض".

آثار تم القبض على مهربيها
قلعة القاهرة الأثرية في تعز تم تدميرها
بدر الصلاحي