لقد أعددت مسودة هذا المقال بالمصادفة عن التقرير الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية عن الفساد في العالم -يوم الأربعاء الماضي - وذلك قبل الاطلاع على البيان الذي صدر عن الديوان الملكي بخصوص التقرير الذي قدمه صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس اللجنة العُليا لقضايا الفساد العام إلى خادم الحرمين الشريفين عن نتائج ما توصلت إليه اللجنة، ومن ضمنه استعادة أموال للخزينة العامة للدولة تجاوزت في مجموعها 400 مليار ريال متمثلة في عدة أصول من عقارات وشركات وأوراق مالية ونقد وغير ذلك.

وعلى ما يبدو لي فإن تقرير المنظمة لو تأخر بعض الشيء لأثر ربما على الترتيب الذي أعطتنا إياه وهو 58، فآفة الفساد - كما يوضح تقرير منظمة الشفافية العالمية - وباء مستشرٍ في أنحاء العالم كافة وإن بنسب متفاوتة.

ولهذا فإن جهود المملكة في مكافحة الفساد يفترض أن تستفيد من التجربة العالمية والمعايير التي تضعها منظمة الشفافية الدولية، ولكن دون المبالغة في الأمر. فنحن إذا رجعنا إلى تقرير هذه المنظمة فسوف نلاحظ أن صاحبة أكبر اقتصاد في العالم وهي الولايات المتحدة لم تأت ضمن قائمة العشرين الأوائل. فقد تراجع ترتيبها هذا العام إلى 22. كما أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم الصين جاء ترتيبها في التقرير 87، وثالث أكبر اقتصاد في العالم الهند 78. وكذلك جاء ترتيب روسيا 138، وذلك على الرغم من أن اقتصادها من بين العشرة الأوائل في العالم.

وهذا يعني واحداً من أمرين: إما أن تكون العلاقة بين الفساد والتنمية علاقة ضعيفة، بحيث لا يعوق الأول الثاني كما هو في حال البلدان المشار إليها. أو أن المعايير التي تضعها منظمة الشفافية العالمية ليست سليمة وقائمة على أساس معايير تستمد جذورها من المصالح والثقافة الغربية وهي بالتالي لا تتطابق مع الواقع دائمًا. فمن غير الممكن أن تكون دولاً فاسدة إلى هذه الدرجة وتحقق مؤشرات عالية في التنمية.

ولذلك فإن معايير الفساد في الولايات المتحدة وأوروبا ليست بالضرورة أن تكون معايير خالية من النواقص. مثلها مثل معايير حقوق الإنسان الغربية والتي لا تشمل مثلًا مؤشر البطالة الذي يمس بشكل مباشر حقوق الناس في العيش بكرامة.

إن هذا المقال ليس دعوة إلى عدم محاربة الفساد، كلا فمحاربته أمر ضروري ومهم من الناحية الأخلاقية والاقتصادية، وعودة الـ400 مليار ريال للخزينة هو خير برهان. ولكن محاربة الفساد ليس بالضرورة أن تكون وفق المعايير الأوروبية، وإنما معايير مستمدة من تجربة البلدان الرائدة كافة بما فيها المملكة والصين والهند وروسيا وغيرها.