مبدأ «من أين لك ذلك؟» أصبح واقعاً معاشاً، ونحن على يقين أن المحاسبة ستطال كل من أساء للوطن واغتصب ما ليس من حقه وعطل التنمية في بلادنا؛ لأن هؤلاء لم يستولوا على المال العام الذي هو من حق أبناء الوطن، بل ساهموا بشكل مباشر في تعطيل التنمية، وابتكار كل ما يساعدهم على الاختلاس..

الانتهاء من محاسبة 381 شخصية واسترداد 400 مليار ريال لخزينة الدولة وكف يد 126 موظفاً في مختلف أمانات وبلديات المملكة، هذه أخبار الساعة في مجتمعنا، الذي يشعر هذه الأيام أن هناك إرادة قوية لتفكيك الفساد وتجفيف منابعه. عندما تتدخل أعلى سلطة في الدولة من أجل إيقاف العبث بمواد الوطن ومستقبله فهذا يعني أن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد بل سيمتد إلى كل قطاعات الدولة ليعيدها إلى نصابها وميزانها. لا أحد ينكر أن ما يحدث هذه الأيام كنا نتمنى حدوثه منذ فترة طويلة؛ لأن الفساد المالي يهدد الاستقرار، ويعبث بالأمن، ويغلق الأبواب أمام أجيال المستقبل التي يجب أن تحصل على فرص العيش الكريم على أرض وطنهم.

مبدأ "من أين لك ذلك؟" أصبح واقعاً معاشاً، ونحن على يقين أن المحاسبة ستطال كل من أساء للوطن واغتصب ما ليس من حقه وعطل التنمية في بلادنا؛ لأن هؤلاء لم يستولوا على المال العام الذي هو من حق أبناء الوطن بل ساهموا بشكل مباشر في تعطيل التنمية وابتكار كل ما يساعدهم على الاختلاس حتى لو كانت نتيجة ذلك إهدار موارد الدولة فيما لا طائل منه. لو راجعنا العديد من المشروعات الحكومية سوف نجد أنها أعيدت كلياً أو جزئياً أكثر من مرة لتكون مبرراً للمستفيدين خصوصاً في المشروعات البلدية. لذلك يجب أن تكون المحاسبة ليس فقط على السرقة والاستيلاء على المال العام دون وجه حق بل يجب أن تكون على المشروعات غير الضرورية التي اختلقها البعض من أجل أن تكون ممراً لسرقاتهم.

أذكر قبل سنوات في لقاء مع أحد البرامج الإذاعية السعودية طلب رأيي في نظام المشتريات الحكومية، وقلت: إنه نظام "يشرع الفساد"؛ لأنه يعطي المسؤول عن المشروع السلطة المطلقة في ترسية وصرف المستخلصات المالية، وهو الأمر الذي يعني أنه يمكن لهذا المسؤول استغلال سلطته للضغط على المقاول والاستفادة منه مالياً. هذا النظام الذي يجب أن يتغير كلياً ولا يترك الأمر لأخلاق المسؤول ونياته، لأنه نظام يسهل التحايل عليه والتلاعب به، ولعل هذا يبين سبب تعثر كثير من مشروعات الدولة في الفترات السابقة. نحن نعيش الآن عصراً جديداً يهتم بالتنمية ويركز على الشفافية والحوكمة، وهذا يتطلب مراجعة حقيقية للأنظمة التي تشرع الفساد وليس فقط محاسبة الأفراد الذين استغلوا هذه الأنظمة وتلاعبوا بالمال العام.

من المعروف أنه لا يوجد أخلاق دون نظام صارم يحمي هذه الأخلاق، فإذا كان ما تم استرداده من 381 مواطناً فقط هو 400 مليار، إذاً، أين الرادع الأخلاقي الذي كان يفترض أن يمنع هؤلاء من اختلاس المال العام والمساهمة بشكل مباشر في تعطيل التنمية الوطنية؟ الحزم والنظام الصارم، اللذان أكد عليهما خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين - يحفظهما الله - هما الضامن، بعد الله، للأخلاق المجتمعية التي تجعل كل إنسان يساهم في بناء الوطن ويأخذ حقوقه فقط، لا أن يستولي على حقوق الوطن ومقدراته ويدمر مستقبله. الأخلاق يحميها النظام، لا المواعظ والنيات الحسنة، وهذا توجه الحكومة ولن تتراجع عنه؛ لأن التغيير لا يتحقق بالأمنيات، ولكن بالخطوات العملية التي قد تكون مفاجئة بالنسبة للبعض، وقد تكون صعبة على البعض، لكنها خطوات أساسية يجب علينا دعمها ومباركتها، وأهمها تفكيك شبكات الفساد وبحزم.

محاربة الفساد وتفكيكه وسن الأنظمة والقوانين التي تضمن الأخلاق المجتمعية والإدارية، ستحقق مبدأ العدالة والمساواة، وستدفع أبناء الوطن للعمل في مناخ تنافسي يرتكز على المهارات الفردية؛ لأن الجميع ستكون لديهم القناعة بأنه سيكافأ على قدر عمله وإبداعه، ولن يأتي أحد من الخلف يستغل نفوذه وسلطته ويحصل على ما لا يستحقه. تكافؤ الفرص، لا تتحقق في مجتمع تهيمن عليه شبكات الفساد، وعدم نجاح بعض المؤسسات لدينا في تحقيق أهدافها كونها لم تستطع تفكيك هذه الشبكات التي استولت على مقدراتها، وجعلتها تدور في حلقة مفرغة دون أي إنجازات حقيقية. قرارات الملك وولي عهده الأخيرة تصنع فكراً إدارياً جديداً، وتبني أخلاقاً مجتمعية هي فعلاً من صميم أخلاقنا السعودية العميقة، وتعيد للوطن نظامه الأخلاقي الذي عرف بها إبان نشأته الحديثة، وهذا يحسب، دون شك، لرؤية 2030 التي بدأت تظهر نتائجها بوضوح.