كم حزنت عندما رأيت ذئباً مقتولاً ومعلقاً بغصن شجرة.. اقتربت منه وتفحصته: نظرت إلى عينيه شبه المغمضتين وإلى أذنيه الحادتين كنصلي رمح، وإلى مخالبه المعقوفة كرأسي خنجرين ملويين، وقلت في نفسي لماذا نقتل هذا الكائن النادر؟ هذا الكائن الشجاع النبيل، هذا الكائن المرافق والمشابه لابن هذه الجزيرة في صبره، وجلادته وشجاعته وإقدامه.. ما البطولة في أن تركب سيارتك وتطارد الذئب، ثم تطلق عليه من بندقيتك (الشوزن) ذات الرصاص الذي يرش ما أمامه فيرديه قتيلاً بلا شجاعة وبلا حرفة أو مهارة في الرماية؟ فـ(الشوزن) لو رمت بها عجوز شبه عمياء لأصابت الهدف!! لماذا؟ لماذا قَتْلُ هذا الكائن الفذ؟

ربما أن قتل هذا الذئب من باب العبث والتمرجُل، أو ربما أنه افترس شاة أو عنزاً ليسد غائلة الجوع أو ليطعم صغاره، وهذه ليست فروسية ولا شجاعة، بل هي أبعد ما تكون عن المرجلة والشجاعة والرحمة!!

كان الشاعر الفرزدق ذات يوم وهو في سفر يُعد عشاءه فاقترب منه ذئبٌ، فلم يفزع منه أو يحذر وإنما أراد أن يتآخى معه فأكرمه وأعطاه من عيشه وأشركه في زاده، ولكنه أنذره من أن يغدر به.. فقال:

وَأَطلَسَ عَسّالٍ وَما كانَ صاحِباً

دَعَوتُ بِناري موهِناً فَأَتاني

فَلَمّا دَنا قُلتُ ادنُ دونَكَ إِنَّني

وَإِيّاكَ في زادي لَمُشتَرِكانِ

فَبِتُّ أُسَوّي الزادَ بَيني وَبَينَهُ

عَلى ضَوءِ نارٍ مَرَّةً وَدُخانِ

فهكذا تكون الشجاعة مع كرم الضيافة.. هكذا تعامل الفرزدق مع الذئب!! لأن الذئب يشارك إنسان الصحراء في بيئته وصبره وشجاعته، ولم يتعامل معه كما تعامل هذا (الرخمة) الذي أظهر شجاعة كاذبة وبطولة تافهة في قتل هذا الكائن الفارس النبيل.