نذبح الدب ونفرى جلده .. أيظن الدب ألا يغلبا

هذا بيت من قصيدة كتبها حافظ إبراهيم يتغنى بانتصار اليابانيين على الروس في الحرب التي انتهت العام 1905م، مما مهد لتصبح اليابان قوة عظمى، وقوة مهيمنة في شرق آسيا، ورغم ذلك الانتصار العسكري والسياسي الكبير والذي جاء نتيجة لنهضة ميجي العلمية والثقافية في اليابان، رغم ذلك كله شهدت اليابان بعد فترة موجة احتجاجات شعبية كبيرة أطلق عليها اسم "اضطرابات الأرز"..

نسافر إلى اليابان في العام 1918م. تبدأ القصة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى والتي خرجت اليابان منها منتصرة مع الحلفاء وأعلنت الحكومة اليابانية اعتزامها إرسال قواتها إلى الخارج مما جعل تجار الأرز يرفعون السعر رغبة في الحصول على مكاسب أكبر. وخلال ستة أشهر ارتفع سعر الأرز إلى الضعف من 15 يناً إلى 30 يناً. وفي محاولة لتهدئة الموقف اتخذت الحكومة اليابانية إجراءين تمثلا في تشجيع استيراد الأرز من الخارج والآخر هو إصدار قانون منع الاحتكار ولكن لم تنخفض الأسعار.. وازداد الأمر سوءاً لما قرر تجار الأرز ألا يبيعوا الأرز في القرى والأرياف ويرسلوا الأرز ليباع بسعر أغلى في المدن الكبيرة.

كان ذلك التصرف هو الشعرة التي قصمت ظهر البعير إذ انتفضت بضع عشرة امرأة في مدينة أوزو بمحافظة توياما حيث اتجهن إلى الميناء وقمن بالاصطفاف أمام السفن لمنع تحميل الأرز من منطقتهن إلى المدن الكبيرة مما سيتسبب بكارثة ومجاعة لهم ولأبنائهن. تدخلت قوات الأمن اليابانية وتعاملت بعنف لإزاحة السيدات اليابانيات، الأمر أدى إلى تجمع أهالي السيدات لحماية زوجاتهم وبناتهم من عنف رجال الأمن اليابانيين.

كان ذلك الحادث بمثابة الشرارة التي انطلقت في معظم أرجاء اليابان للتعبير عن السخط عن ذلك الوضع، حيث استمرت الاضطرابات ما يقارب الخمسين يوماً، شارك فيها عدة ملايين من الشعب الياباني وأكثر من مئة ألف من قوات الأمن، وتم اعتقال أعداد كبيرة، وأحيل عدد من مثيري الفوضى إلى المحكمة التي قضت على عدد منهم بالإعدام.

ورغم ذلك كله لم تتوقف الاضطرابات. وفي نهاية الأمر وتحت الضغط الشعبي وضغط وسائل الإعلام قدمت الحكومة اليابانية بقيادة تيراؤوتشي ماساتاكي استقالتها، جزاءاً لها على سوء إدارتها لهذه الاضطرابات.

ما الدروس المستفادة من اضطرابات الأرز اليابانية؟ هنالك عدة نقاط ومنها:

  • دور الحكومة مهم في كبح الأسعار للسلع الأساسية خصوصاً أن القطاع التجاري ينظر عادة إلى الأرباح قبل أي أولويات وطنية أو اجتماعية.

  • ضبط الأمور وفرض الأمن لا بد منه لكن العنف وحده لا يحل المشكلات الاجتماعية.

  • من الضروري قراءة الواقع واتخاذ القرارات التي تلمس احتياجات البسطاء ورسم السياسات على ضوئها.

وباختصار، الانتصارات العسكرية والسياسية والنجاحات الاقتصادية مهمة، ولكن الأكثر أهمية والتحدي الحقيقي هو النجاح في خلق حياة كريمة للشعوب.