يجب التصدّي لهذه الظاهرة من قبل الدولة، فمن ثبت أنه دلّسَ وكذب على الجهات المختصة، فلتُوقع عليه أشدّ العقوبات، كما أن على من ثبت عنده استحقاق وارثٍ يسعى غيره لحرمانه أن يُدلي بشهادته عند المحكمة المختصة إحقاقاً للحقِّ، ورفعاً للظلم

إن دين الإسلام قد أولى الحقوق أهمية كبيرة، وشرع لحفظها تشريعاتٍ عظيمة، فلم يترك باباً يُمكن أن يندسّ من خلاله المتلاعبون بحقوق الخلق إلا أغلقه إغلاقاً مُحكماً، ولم يدع شبهةً يمكن أن يتشبّث بها ذو غرضٍ فاسدٍ إلا قضى عليها قضاءً مُبرماً، وقد جاء الإسلام والجاهلية قد أوغلت في تضييع حقوق المرأة والذّرية الضعفاء إلى أبعد الحدود، فكانوا يحرمون النساء والصبيان من الإرث، ويتشدقون بمقالتهم الجائرة: "لا يُعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرمح، وضارب بالسيف، وحاز الغنيمة"، ولما كان هذا الحيف من أكبر المظالم جاءت الشريعة الإسلامية بتشريعٍ ينقضه من أساسه، فقرّرت حقّ التوريث بالأسباب المقتضية له من نسبٍ ونكاحٍ وولاءٍ، وجعلت لمن أدلَى ببعض هذه الأسباب حقّ الإرث إن خَلَا من الموانع، ولو كان جنيناً في بطن أمه، ثم لم تُفوّض أحداً بالنظر في مقدار مستحقات هؤلاء، بل تولّى الله تبارك وتعالى بيان نصيب كل وارث فريضةً منه، فلم يَبْقَ لأحدٍ مجالٌ ليتشهّى في تحديد الآخذ والمقدار المأخوذ، وقد اعتنى علماء هذه الأمة بفقه المواريث منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم إلى يومنا هذا، ومن فضل الله تعالى على هذه الدولة المباركة الميمونة المملكة العربية السعودية أن وفّقها لتحكيم شرعه، ومن ضمنه كون نظام المواريث في المحاكم شرعياً خالصاً، لا تشوبه شائبة، وفي هذا ضمان لوصول جميع الحقوق إلى مستحقيها كاملة غير منقوصة، وإن من المؤسف أن توجد فئات من الناس هان عليهم التمرُّدُ على الأوامر الشرعية، والتحايلُ على الأنظمة المرعية، فتراهم يتعدَّوْنَ على حقوق من يشترك معهم في الميراث، ولما كان النظام القضائي عندنا مُؤسّساً على العدل في توزيع التركات، ولا مجال فيه لإطلاق اليد للعابث بالميراث، لم يكن لهؤلاء وسيلة إلى مقصدهم الدنيء إلا التلاعب بمثبتات الميراث، أو مخادعة من يشترك معهم في الميراث، ومن تصرفاتهم في هذا الصدد:

أولاً: الاستماتة في نفي بعض أسباب الميراث، فكان أحدهم يرتكب المستحيل؛ كي يثبت أن أباه المتوفى قد طلّق زوجته قبل موته؛ ليحرمها من الميراث، وقد ينبري لمساعدته على ذلك من لا دينَ ولا أمانةَ ولا خلاقَ له سواء من الورثة أم من غيرهم، وشرُّ الناس من أصلح دنيا الناس بفسادِ دينِهِ، ولولا ما أنعم الله به على دولتنا من دِقّةٍ في سجلات الأسر تحدد المضافين في دفتر العائلة، لحاول بعض هؤلاء أن يُخرجوا إخوانهم وأخواتهم من الانتساب لأبيهم، ولَوَجَدَ من مرضى الضمائر من يعينه على ذلك، فجزى الله دولتنا خيراً على ضبط هذه الأمور.

ثانياً: الحجر على نصيب النساء من الميراث خصوصاً المتزوجات منهن، ويتلاعب على المتزوجة بحجةٍ واهيةٍ مفادُها أنه لو أعطاها نصيبها لأستمتع زوجها -وهو ابن الناس الأباعد- بمال أبيه، ولا يمكن أن يُملي هذا المتلاعب مثل هذا القرار على قضاة المحاكم، بل يلجأ لفرضه على أخته مُستغلّاً ما عند المرأة من حرصٍ على تحسين العلاقة بأخيها، وقد تجاهل هذا المتلاعب أنه لو كانت تلك الحجة سديدة لكان لأخته أن تقول له: لا تتصرف في نصيبك؛ لئلا تستمتع زوجتك -وهي بنت الناس الأباعد- بمال أبينا، ولن يُطيعَهَا في ذلك لو طالبته به، بل سيغدق ذلك المال على زوجته، ويحرم منه أخته بنت أبيه.

ثالثاً: إقناع الأب في مرض موته المخوف بطلاق زوجته؛ بقصد حرمانها من الإرث، ومحاولة التمويه على ذلك إما بجحود كون مرضه مخوفاً، أو بإنكار أنه رَضَخَ لقصدهم الفاسد من حرمان المرأة في الميراث، وتفسيرهم سبب الطلاق بما يصبُّ في مصلحتهم، فإذا سعى الورثة لإقناع أبيهم بتطليق زوجته؛ لكيلا تزاحمهم، وطلّقها بناء على هذا الغرض الفاسد، فلبَّسوا على المحكمة، واستطاعوا تمرير حيلتهم في ذلك حتى حرمت المرأة من الميراث، فقد أكلوا حقّها الخالص، وقد نصَّ الفقهاء على أن "من طلّقَ زوجته في مرض موته طلاقاً يُتّهمُ فيه بحرمانها ورثته ما لم تتزوج".

وأخيراً: يجب التصدّي لهذه الظاهرة من قبل الدولة، فمن ثبت أنه دلّسَ وكذب على الجهات المختصة، فلتُوقع عليه أشدّ العقوبات، كما أن على من ثبت عنده استحقاق وارثٍ يسعى غيره لحرمانه أن يُدلي بشهادته عند المحكمة المختصة إحقاقاً للحقِّ، ورفعاً للظلم، كما يجب على من تلبّس بهذه المظلمة أن يتّقي الله تبارك وتعالى، وأن يبرئ ذمته ممّا غَصَبَ من الحقوق قبل أن يأتي يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خُلَّةٌ ولا شفاعةٌ.