الحديث عن هيئة الأمر بالمعروف أو عن هيئة الترفيه يجب ألا يُنظر إليه على أنه حديث عن متناقضات مجتمعية؛ لأن المسار العلمي لمناقشة هذا الأمر يجب أن يصب كله في سبيل مصلحة وطنية تحفظ فكرة التوازن، ولا تسهم في نشوء فكرة الانتقال من ضفة إلى أخرى في نهر المجتمع..

نحن نعيش مرحلة انتقالية، هدفها تعزيز المسار الثقافي وفق إطار محدد في القضايا التي تتطلبها المرحلة القائمة، مجتعنا يستجيب لمتطلبات طبيعية من التحول لم تنتج من نفسها، ولكن دخول العالم إلى القرن الحادي والعشرين غيّر معادلة النزعة الثقافية والفكرية في المجتمعات، وأصبحت المجتمعات أمام خيارات مهمة في مسيرتها الثقافية، ولم يعد بالإمكان اليوم أن يحدث التحول المجزأ، فالثقافة العالمية التي تصلنا اليوم في مقابل ثقافتنا التي تذهب إلى العالم، تلتقي فوق أسطح جديدة من الإنسانية، تخلقها الثقافات والشعوب لنفسها.

وبلغة أكثر بساطة؛ العالم اليوم يبني ثقافات تشبه كرة الثلج في تدحرجها عبر الكرة الأرضية، وهذه الثقافات لن تُبقي على كثير من المسارات التقليدية التي اعتاد العالم أن يدير بها نفسه، وهذا ما يتطلب من الدول نزعة ثقافية تعتمد لغة حوار مطلق على مستويين: المستوى الأول الحوار مع العالم ثقافيا؛ حيث أصبحت الثورة التقنية تشبه السحب فوق المجتمعات وهي تمطر كل ما لديها بلا حدود وبلا مواسم للأمطار. وأما المستوى الآخر فهو المستوى المرتبط بالحوار مع المجتمعات داخليا، وكيف يمكنها أن تتعامل مع واقعيها العالمي والتقليدي، وماذا ترغب في الإبقاء عليه، وماذا ترغب في التخلص منه.

النزعة الثقافية التي تجتاح العالم عبر التقنية، والتدفق الهائل للمعرفة والثقافات، والاختلاط الشديد بين القيم، وتداخل الثقافات، وصراع الأيديولوجيات، وانحسار القوميات المحلية، وتشتت الهويات بين الثقافات في العالم - كل تلك الأمور تركت تأثيراتها العميقة.

تقارب العالم معرفيا هو أشد معايير القرن الحادي والعشرين، بل إن تقنية نقل المعرفة بما تحمله من ثقافات أسهمت في خلق خيارات هائلة للشعوب والمجتمعات المتخلف منها والمتقدم، فأصبحت النزعات والحركات المتخصصة أكثر انتشارا في هذا القرن، والمعني بالنزعات المتخصصة هو تلك الحركات التي تجتاح العالم، من حركات "تحررية بعضها ذو إطار عقدي، وبعضها ذو إطار قيمي، وأخرى ذات إطار يختص بما يسمى "الجندر".. إلخ.

هذه المظاهر الثقافية شبة المختلطة، التي تجتاح العالم، والتي وفرتها التقنية، بقدرتها على نقل المعرفة، واختصار المسافات والزمن، عبر تسييل الثقافات العالمية، وجعل الثقافات في حالة "سائلة ثقافيا" بين الشعوب، ونقل القيم عبر تقنية مبرمجة، هذه المظاهر وفرت للشعوب والأفراد ظاهرة الخيارات المتعددة، وأصبح كثير من الأفراد يبحث في كومة خيارات ثقافية وصلت إليه وأصبحت بين يديه من دون عناء؛ لذلك فإنسان وثقافات القرن الحادي والعشرين، سواء في مجتمعنا أو في أي مجتمع آخر، قد يمارسون لعبة الخيارات المتعددة تلك.

في مجتمعنا، ونتيجة للتأثيرات التي تجتاح العالم ونحن جزء من هذه التغيرات، أصبحت فكرة التحول شبه مربكة لكثير من الأفراد، فخلقت أزمة فهْم ثقافية؛ لفرز المجتمع من جديد بجميع اتجهاته المتشددة والأقل تشددا، وتلك التي تقف على طرف بعيد في المجتمع، وعلى المجتمع بكل فئاته متطلب وطني ومصلحة وطنية بأن المجتمع في النهاية يجب أن يصل إلى مستويات يمكن الاتفاق عليها؛ لأن أمطار النزعة الثقافية التي تتسرب إلينا بكثافة لن تتوقف عن طرح الخيارات الثقافية المتعددة لكرة أرضية تحتوي على أكثر من ستة آلاف ثقافة محلية بكل تنوعاتها السياسية والفكرية والأيديولوجية، إلى جانب أيديولوجيات دينية تملأ الكون بصراعاتها الطائفية.

الحديث عن هيئة الأمر بالمعروف أو عن هيئة الترفيه يجب ألا يُنظر إليه على أنه حديث عن متناقضات مجتمعية؛ لأن المسار العلمي لمناقشة هذا الأمر يجب أن يصب كله في سبيل مصلحة وطنية تحفظ فكرة التوازن، ولا تسهم في نشوء فكرة الانتقال من ضفة إلى أخرى في نهر المجتمع، فمهما كانت هذه المرحلة توصم بأنها انتقالية، إلا أنها ليست مرحلة لمحاكمة الماضي بثقافته، أو مصادرة القيم في المجتمع، فالخطاب الرسمي يؤكد فكرة التوازن، ولذلك فإن الحوار الفكري عبر أروقة المجتمع يجب أن يتبنى وبجدية فكرة التوازن، فضفاف المجتمع تحمل تعددا وتنوعا يشكل معايير قوة وثبات لمجتمعنا.

هناك حاجة إلى التغيير وفق فلسفة متزنة، تتم من خلال نقاط الالتقاء والاتفاق على قيم المجتمع، ومعالجة دمجها في المسارات الجديدة للتحول المجتمعي، وتأكيد أن الهدف الأخير لكل تحول في المجتمع هو السير في الاتجاه العالمي ذاته، نعم نحن في حاجة إلى الرفاهية التي تولد في المجتمعات كمتطلب استهلاكي طبيعي، فرضته التحولات الإنسانية لتحقيق أهداف اقتصادية وثقافية مشتركة، ولكن في الوقت ذاته هناك قواعد مهمة تقول إن المجتمعات تدار بقواعد وقيم وقوانين لا بد من طرحها على أرض صلبة للحوار، تسهم في تفعيل ممارسة المواطنة وفق أفضل السبل والخيارات المتاحة.