إن القوة الناعمة في بلدنا من ناحية هي قوة ناعمة طبيعية بحكم الموقع الديني والجغرافي والنفطي. فإذا كان الموقعان الأخيران ميزة لا نتمتع بها وحدنا، فإن الموقع الأول لا يوجد عند أحد غيرنا اللهم إلا الفاتكان. ولكن هذه المكونات الطبيعية للقوة الناعمة ممكن أن تتآكل إذا لم تجد التربة الخصبة والمناخ المناسب الذي يساعدها على النمو والتطور في عالم يتغير باستمرار. فنحن لا يمكن أن نكتفي بتلك المكونات الطبيعية رغم قوتها كما لا يمكننا أن نكتفي بموقعنا الديني كأساس منفرد تقوم على أساسه القوة الناعمة. فنحن في نهاية المطاف لسنا الفاتكان وإنما دولة مدنية تستمد تعاليمها من الإسلام.

إن القوة ا لناعمة التي خضنا بها الحرب الباردة وانتصرنا بها مع حلفائنا في تلك الحرب قد بدأت تفقد دفعها بعد انتهاء تلك الحرب. فبعد عام 1990، وقيام النظام العالمي الجديد الذي أحد مكوناته الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، أصبحنا نحس على أنفسنا أن قوتنا الناعمة التقليدية لم تعد كافية في ظل هذا العالم المتغير. فالقوة الناعمة ما قبل العصر الإلكتروني لم تعد لها نفس الأذرعة القوية في الوقت الراهن. فالعداء بين الشيوعية والرأسمالية الذي كان قائما قبل عام 1991 والذي كان يغذي تلك القوة قد اختفى بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. فعالم ما بعد الحرب الباردة، قد أصبح عالما تغلب عليه العولمة والليبرالية. وفي ظل هذا العالم أصبحت الحدود بين الدول لا تعدو عن كونها رسوم على الخريطة الجغرافية. أو هذا على الأقل ما تطمح له منظمة التجارة العالمية، التي أوقفتنا على أبوابها ننتظر 10 أعوام قبل أن تفتحها لنا.

إن القوة الناعمة حتى تكون فاعلة تحتاج أن تتأقلم مع التطور الذي طرأ على العالم خلال الـ30 عامًا الماضية؛ والذي أبرز سماته اختفاء الصراع الأيدولوجي، الذي شكل التربة الخصبة التي نمت على أساسها قوانا الناعمة. فالصراع السياسي والاقتصادي اليوم مختلف عن الفترة 1945-1991. فنحن الآن نعيش في عالم تسيطر عليه المصلحة مثلما كان العالم قبل القرن العشرين؛ مع الفارق أن هذا العالم يعيش في فضاء إلكتروني وأسلحة الدمار الشامل.

وعلى هذا الأساس، فإن رؤية المملكة 2030، هي المنطلق الذي يمكن أن يعطي لقوانا الناعمة ذلك العنفوان والقوة التي كانت موجودة فيما مضى. إن قوتنا الناعمة المستقبلية سوف يكون مصدرها ليس عائدات النفط التي غذت القوة الناعمة للمملكة طوال أكثر من 80 عامًا، وإنما قوة ناعمة تعتمد على اقتصاد متعدد المزايا النسبية تلعب المرأة والقطاع الخاص فيه دورا كبيرا.