إنّ الفلسفة طريق مُفضية إلى فهم الواقع اليومي المعيش بكامل تفريعاته وتعقيداته وتداخلاته وعلاقات أفراده مع بعضهم البعض ومع الأشياء والأفكار أيضاً التي تجبههم يوميّاً؛ خصوصاً أنّ هذا اليومي يزخر بحيوات مختلفة بسبب غِناه وثرائه..

لعلّ من أهم وأدقّ وأصعب أدوار الفلسفة أنّها لا تقتصر على مناقشة القضايا التي تتعلّق بالوجود والجمال والأخلاق والسياسة والمعرفة؛ بل إنها دائمة التحريض على إثارة الجدل والأسئلة التي لا تميل للوثوقية والإجابات النهائية الحاسمة؛ إذ تستمر اشتغالاتها على توليد وطرح الأسئلة التي تفتح مجالات واسعة للتفكير وتسلّط الضوء على نقاط من الممكن تم تجاهلها أو القفز عليها؛ الأمر الذي يجعل من الاختلاف والجدل بين مذاهب الفلسفة صفة لازمة وسمة بارزة لا يمكن معها لمذهب ما أن يتبنّى إجابات قاطعة وجازمة لأيّ من الإشكالات الوجودية والقضايا الفكرية المختلفة.

من هنا فإن الصعوبة تتضاعف لدى المختصّين في تدريس الفلسفة في ظلّ تعدّد المدارس الفلسفية والمناهج وتضاد بعضها مع البعض الآخر؛ وإن كانت جميعها تتّفق على أهمية الفلسفة والتفكير النقدي في مجتمعاتنا والسعي لجعلها طريقة للتفكير واستثمار الأدوات العقلية وآليات الاشتغال الذهني في التعامل مع أي إشكال إنساني وفلسفي بطريقة ناجعة تحقّق الهدف من دراسة الفلسفة وتمثّل طرائقها في خدمة معيشنا الحياتي واليومي.

من الأسئلة الفلسفية الملحّة التي تفرض نفسها "دور الأخلاق" في حياتنا؛ لا سيّما في واقعنا المعيش الذي تتناهبه تعقيدات كثيرة، ليس أقلّها هذا الاستشراس والعنف الذي يطفو على سطح تعاملاتنا اليومية سواء في واقعنا الحياتي أو على نطاق وسائل التواصل الاجتماعي ومنصّاته التي تتلقّى سيلاً هادراً من التفاعلات والمواقف والإشارات والإيماءات والرسائل المختلفة. وقد أثير هذا السؤال بشكل مباشر في مقدّمة كتاب مهم بعنوان "التفكير فلسفياً" لمؤلّفيه: كريس هورنر وإمريس ويسكتاكوت بما نصّه: ما دور الأخلاق في حياتنا؟ هل هي مجرّد شعور ذاتي أم انفعالي؟ هل تمتلك خصوصية معيّنة وفقاً لثقافة الفرد والجماعة؟، أم أنها تمتلك سمة العالمية؟ هل يمكن أن يوجد دستور أخلاقي قابل للتطبيق في كل زمان ومكان؟

الكتاب طبعاً لا يدّعي القبض على إجابات يقينية لا تقبل النقض، وإنما محاولة في إثارة الأسئلة وفتح آفاق إجاباتها المفتوحة القابلة لتعدّد النتائج وفضاءات التأويل.

وما دام الحديث عن الفلسفة والأخلاق وارتباط إحداهما بالأخرى فلا أقل من الإشارة إلى إحدى الفلسفات التي اشتبكت مع هذا المبحث المهم؛ وهي الفلسفة النفعية التي تقوم على مبدأ تحقيق السعادة الفردية والعامة باعتبار أن السعادة تسمو على كل الخيرات الممكنة؛ وقد نظّر لهذا وشرحه بتلخيص وإيجاز لافت كتاب "موسوعة المفاهيم الأساسية في العلوم الإنسانية والفلسفية" الصادر حديثاً؛ وهو جهد فكري خلاّق حفيّ بالتنويه، قام به مجموعة من الباحثين والمفكّرين؛ وقد أشارت الموسوعة إلى أنّ الفعل النافع يكتسب صفته -وفقاً للفلسفة النفعية- بقدر ما يحقّقه من سعادة. فنفعية الفعل تتحدّد بنتائجه، لا بوسائله، بل -أساساً- بتحقيق السعادة، بوصفها معياراً للتمييز بين الخير والشر. وبهذا تدور الفلسفة النفعية حول طبيعة النتائج تاركة للفاعل حُرّيّة اختيار الوسائل، وبذلك هي منهج مفتوح، يستهدف السعادة العامّة دون غيرها وتؤكّد الموسوعة أنّ الفلسفة النفعية تتخطّى استهداف الخير الخاص على السعادة كخير مشترك وعام، فهي تقدّم نفسها أخلاقية، وذلك على خلاف ما أُدينت به كفلسفة أنانية، لا أخلاقية.

الخلاصة أنّ الفلسفة طريق مُفضية إلى فهم الواقع اليومي المعيش بكامل تفريعاته وتعقيداته وتداخلاته وعلاقات أفراده مع بعضهم البعض ومع الأشياء والأفكار أيضاً التي تجبههم يوميّاً؛ خصوصاً أنّ هذا اليومي يزخر بحيوات مختلفة بسبب غِناه وثرائه كما يشير ميشيل مافيزولي بأنّ تركيبة اليومي، وغناه بالشكل الذي يدعو إلى قراءته باستمرار، من أجل فَهْم مُجمل الحياة الاجتماعية، فاليومي -برأيه- هو الذي يمتلك حقيقة مختلف التفاعلات الاجتماعية. فاليومي لا يخضع -بالضرورة- لتفسير خطّي صارم، ولا ينحصر في حدود معلومة. إنّه فضاء مفتوح من الفعل والتفاعل.