يعتقد البعض ممن يتعامل مع الشباب بأن كثيراً من أفكارهم المخالفة للسائد الاجتماعي فيها اضطراب أو خلل أو مشكلة، في الوقت نفسه نجد أن الشاب والمراهق يرى عكس ذلك تماماً، فيجد أن الخلل والاضطراب والمشكلة في عدم (فهم وتفهم) الآخرين له، وفي عدم تقبلهم له ولأفكاره، وقد تنشأ مشكلات فرعية وتتطور لصراعات اجتماعية وتبقى آثارها ونتائجها مع الزمن على شكل تفكك وتشتت وانعدام ثقة.

وعند محاولتنا تتبع أسباب عدم التوافق وتتبع أسباب هذه الاضطرابات وكيف تتكون ولماذا تكونت نجد أنها تتعدد وتتنوع حسب بيئة كل أسرة أو مجتمع، ولكن يمكننا إجمالها في أهم العوامل التي يأتي في مقدمتها الانفتاح والانغلاق الثقافي ومقاومة التغيير والاتجاه نحو التغيير السريع وضعف التأسيس المعرفي في المناهج الدراسية وفي الخطاب الثقافي والديني، وتعطيل مهارات التفكير (التحليل، المقارنة، الاستقراء، الاستنباط)، وتراجع الدور الاجتماعي للأسرة والتأثر بالأصدقاء، والنزعة للفردانية واعتزال المجتمع والثقة المفرطة في الذات، وفي مقابلها ضعف الثقة في الذات والبحث عن رمز وفكرة معززة، والبرمجة الثقافية لبعض الأفكار السلبية وغير المنطقية، والتناقض في الخطاب الموجه للمراهقين والشباب.

أما بالنسبة لأنواع الاضطرابات الفكرية التي قد يعاني منها الشباب فتتعدد حسب طبيعتها وقوتها؛ فمنها اضطرابات فكرية دينية، مثل تغيير الدين، وترك التدين، وتغيير المذهب، وتغيير المنهج، وتتبع أقوال فقهية غير مألوفة. ومنها اضطرابات فكرية اجتماعية، مثل زواج من غير الطبقة الاجتماعية أو من غير الجنسية، وعدم الرغبة في تكوين صداقات والعزلة عن المجتمع. ومنها اضطرابات فكرية نفسية، مثل تباين المشاعر تجاه الأحداث، والخوف المستمر، والحزن الدائم. ومنها اضطرابات فكرية ثقافية، مثل التعاطف مع التيارات الفكرية التي لها ارتباطات سياسية، واتباع أدبيات الجماعات الفكرية في إذكاء الصراع مع الآخر. ومنها اضطرابات فكرية سياسية، مثل تتبع خطابات المعارضين، والانضمام لمجموعات نقاش سياسية، والعمل على إبداء وجهات نظر غير محسوبة العواقب، والإغراق في متابعة القنوات والأخبار السياسية. ومنها اضطرابات فكرية اقتصادية، مثل التنقل بين الوظائف بشكل غير مدروس، وعدم الاقتناع بفكرة الادخار، والغرق في الديون واستسهال طلب الناس، وعدم الاقتناع بفكرة تملك منزل والعيش في سكن إيجار. ومنها اضطرابات فكرية صحيّة، مثل عدم الإيمان بالطب الحديث، وعكسه تماماً الإغراق التام في الطب والتداوي وطلب العلاج حتى من دون سبب، واتباع نظام غذائي صارم، والإفراط والمبالغة في التمارين الرياضية وبناء الجسم.

الفجوة الثقافية والاجتماعية بين الأجيال يصاحبها ظهور نزاعات داخل الأسرة وداخل المجتمع بسبب عدم وجود مهارة التعامل الإيجابي مع شباب هذا الجيل، وهذا هو دور الآباء والمربين ودور الإعلام في التعرف بشكل أكثر دقة على ما يريده الشباب وكيف يفكرون وما احتياجاتهم الحالية، للوصول بهم لبر الأمان وصنع حياة أكثر استقراراً وسلاماً.