ومتى خالطت محبة الله ورسوله أعماق القلب ظهر أثر ذلك على الجوارح متمثلاً في الانقياد للشرع بفعل المأمورات واجتناب المنهيات، والعكس بالعكس فكلما تضاءلت محبة الله ورسوله في قلب امرئ ثقلت عليه الأعمال الصالحة، واستولت عليه النفس الجامحة

للإيمان مراتب ودرجات شديدة التباعد وبها يتفاوت المؤمنون، وتكون هذه الدرجات بحسب ما يعمر قلب المرء من التصديق والإذعان، وما تعمله جوارحه من الأعمال الصالحة، وكلا الأمرين - أعني ما يعمر القلب وما تعمله الجوارح - تتفاضل أنواعه، ومن أهم خصال الإيمان محبة الله تعالى ورسوله، فهي فضل عظيم، ونور مضيء لا ينير إلا قلباً سليماً من النفاق، ومتى خالطت محبة الله ورسوله أعماق القلب ظهر أثر ذلك على الجوارح متمثلاً في الانقياد للشرع بفعل المأمورات واجتناب المنهيات، والعكس بالعكس فكلما تضاءلت محبة الله ورسوله في قلب امرئ ثقلت عليه الأعمال الصالحة، واستولت عليه النفس الجامحة، فيبتلى بالوقوع في الشهوات، والتلبس بالسيئات، ومن كان مُضيعاً للأعمال الصالحة مرتكباً للمعاصي مُصرّاً على ذلك، كان ذلك علامة على خلل في محبته لله ورسوله بقدر تركه للخيرات، وفعله للمنهيات، ومتى زعم من هذا حاله أنه محب لله ولرسوله حُبّاً معتبراً فقد ادّعى ما لا يُسيغُهُ شرعٌ ولا عرفٌ، أما الشرع فقد قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُم ذُنُوبَكُمْ)، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "وإذا كانت المحبة له حقيقة عبوديته وسرها، فهي إنما تتحقق باتباع أمره، واجتناب نهيه، فعند اتباع الأمر، واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة، ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله عَلَمَاً عليها، وشاهداً لمن ادّعاها".

وأما العرف فإن العصيان والـمُشاقّة ضِدّان للمحبة لا يجتمعان معها، وإنما المعهود أن يكون الـمُحبُّ مُنقاداً لمحبوبه، وقّافاً عند مرضاته، مُبتعداً عن كل ما يسخطه، ولله در القائل:

تَعْصِيْ الإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا لَعَمْرِيْ فِيْ الأَنامِ بَدِيْعُ

لَوْ كانَ حُبُّكَ صادِقًا لأَطَعْتَهُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيْعُ

وفضائل محبة الله ورسوله أكثر من أن تحصى، ومنها:

أولاً: أنه من علامات الإيمان، والاتصاف بها حقيقة مما يتنافس فيه سادة المتقين، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، باتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا) متفق عليه، وقد قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، قَالَ فَتَسَاوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا. وما هذا إلا حرصٌ منهم على التحلّي بهذه الحلية الحسنة.

ثانياً: أنها من أسباب دخول الجنة، فمن أحب الله ورسوله حقيقة رجي له أنه من أهل الجنة، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «وَمَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟» قَالَ: حُبَّ اللهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: «فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا، بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحًا أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». متفق عليه.

ثالثاً: أنها إذا قويت حتى كان الله ورسوله أحب إلى المرء مما سواهما ذاق بذلك حلاوة الإيمان التي لا تُضاهى، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ" متفق عليه.

ومن وجد حلاوة الإيمان هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها، وخفت عليه تكاليف العبادة، فسهل عليه فعل المكاره التي حُفّت بها الجنة، واجتناب الشهوات التي حُفّت بها النار.

رابعاً: أن الـمُحبّ لله ورسوله على الوجه المعتبر شرعاً يفوز بمحبة الله له، وينشأ عن ذلك من النعم والفضائل ما لا يعلمه إلا الله، ومن ذلك أن الله إذا أحب الله عبده وضع له الحب في السماء والقبول في الأرض فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ" أخرجه مسلم، فكم من مقبولٍ بين الناس سبب قبوله حبُّ الله تعالى له، وذلك من عاجل ثمرات هذا الحبِّ العظيم.