تكاد لا توجد مدينة في المملكة إلا وتقع على مجرى واد، هذا إن لم يكن هناك واد أو أكثر يمثل محور وموجه نموها، كما هو الحال في الرياض التي تخترقها عدة أودية، بعضها واضح المعالم مثل وادي حنيفة والبعض الآخر تظهر تلك الملامح وتختفي حيناً، تبعاً لضيق او انبساط مساره مثل وادي السلي، في حين أن أودية أخرى أضحت في سجل التاريخ، بعد أن تحولـت إلى قنوات تصريف تحت الأرض، مثل واديا البطحاء والأيسن.

وضوح معالم وادي حنيفة جعله بالتأكيد الأقوى في فرض نفسه عنصراً طبيعياً بارزاً في تشكيل مدينة الرياض، وقناة صرف مفتوحة للوادي وروافده، لا يجرؤ أحد التعدي على مساره، من ثم استطاع هذا الوادي أن يحظى بالأولوية في الاهتمام والحرص على إعادة تأهيله، بعد أن انصرفت وتيرة التنمية العمرانية العالية والسريعة في فترة من فترات النمو للمدينة عن العناية بهذا المعلم البيئي التاريخي، فكان أن نفذ وعلى مراحل مشروع إعادة تأهيل وادي حنيفة الذي تستقطب معالمه الحضارية حالياً سكان المملكة وزوارها.

وجه الاختلاف الأبرز لوادي السلي، الذي يعتبر المصرف الطبيعي الرئيس الثاني للسيول في مدينة الرياض بعد وادي حنيفة، هو أنه منبسط وغير واضح المعالم في أغلب أجزائه، الأمر الذي جعل خطورته أشد، لا سيما بعد اصبح حوض تصريفه يشمل نحو (40 %) من مساحة المدينة، فقد بدأ مؤشر الإنذار المبكر لذلك من الأمطار التي هطلت منذ نحو عشر سنوات على مدينة الرياض، وأدت إلى الإضرار بالأحياء القريبة من مسار هذا الوادي، الأمر الذي دعا سمو أمين مدينة الرياض حينها الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف، لأن تقوم الأمانة بإعداد مخطط شامل للوادي يهدف ليس فقط المحافظة على مجرى الوادي وإيقاف أعمال التعدي عليه ومن ثم فتحه وتهذيبه لصرف مياه الأمطار والسيول لغرض درء أخطارها عن الأحياء المطلة على مسار الوادي وإنما كذلك تحويل حوض الوادي إلى محور رئيس للمناطق الخضراء المفتوحة لسكان وزوار المدينة. الآن وبعد أن قطعت خطة التنفيذ لمشروع إعادة تأهيل وادي السلي شوطاً كبيراً، نتمنى أن يكون هناك مخطط هيكلي لشبكة الأودية وروافدها ضمن نطاق حد التنمية لمدينة الرياض، بل ومدن المملكة الأخرى يتم من خلاله تلافى تكرار ما حدث في السابق أثناء النمو المستقبلي لها، والبحث في ذات الوقت عن إمكانية إعادة تأهيل ما اندثر من أوديتها التاريخية، والانطلاق من مشروع إعادة تأهيل وادي السلي ليكون نواة برنامج وطني تتبناه الأمانات لإعادة التأهيل الحضري للأودية في كافة مدن المملكة.