لم تعد المجتمعات في العالم كله قادرة على أن تمارس ذات الأدوار التي كانت قائمة خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، قضية رهف تتطلب منا المساهمة الحقيقية لتوليد قيم الاندماج وخلق ثقافة ليس فيها أسئلة مرتبكة ولكن فيها طرق مستحدثة للتفكير..

الأسئلة الجيدة أهم من كل الإجابات.. كما يقول العلماء، وخلال الأيام الماضية كان مجتمعنا أمام اختبار حقيقي في كيفية تعاطينا لنوع مستحدث من المشكلات لعبت فيه الحياة الرقمية التي نعيشها كغيرنا من المجتمعات أثراً كبيراً، كل أسئلتنا كانت لماذا؟ ولكن لماذا هذه ليست كل إجاباتها متساوية وتحمل ذات المعنى، الكل كان خائفاً من هذه الحادثة.. ولكن السؤال على ماذا هذا الخوف ولماذا؟ هل كان الجميع يخاف على المجتمع أم يخاف على أن تتكرر ذات القضية في إطارة ومحيطه؟ البعض خشي حتى الحديث خوفاً من أن يكون الدور القادم قريباً منه، لم أستطع تفسير ردود الأفعال هل هي تعبير ذاتي، أم دفاع عن المجتمع، أم دفاع عن الوطن؟

مثل هذه المشكلات ليست جديدة في إطارها، فعبر التاريخ هرب الأبناء وهربت البنات من أسرهم، ولكن الجديد هنا هو -الحياة الرقمية- التي أدخلت هذه المشكلة إلى أجهزتنا الذكية التي تشكل حياتنا الرقمية ودون استثناء، اختلطت الأسئلة وتنوعت مصادرها فكان لكل فئة عمرية أسئلة محددة تخصها حول الأسباب الرئيسة التي تدفع بمثل هذه الشابة لهذا التصرف، مع إيماني أنه لديها مبرراتها بصرف النظر عن الاتفاق معها من عدمه، الجميع حمل أسئلته الخاصة ونشرها وراح يجيب عليها كما يريد ومن وجهة نظره الخاصة.

البعض استحضر سياسة القوة المجتمعية -متمثلة في الدين والعادات التقاليد- وسأل عن مسؤوليتها، والبعض استحضر سياسة القوة الأسرية وسلطة الأب، والبعض خلط بين القضية كمفهوم مجتمعي وبين استثمارها سياسياً من تلك الدولة التي لجأت إليها تلك الفتاة، حيث تم السؤال عن القضية المجتمعية الأعمق حول كيفية النظر إلى المرأة في مجتمعاتنا، فعبر تاريخ المجتمعات الإسلامية لعب الدين والحياة دوراً في تشكيل هذا الدور الخاص بالمرأة وتشكلت التقاليد المتفق عليها في إطار محدد، ولكن هذا الدور أصبح مغرياً للمجتمعات الغربية تحديداً التي تتناقض مع هذا الإطار الديني والاجتماعي حيث أصبح من السهل على تلك المجتمعات أن تتهمنا بعقوق المرأة.

نحن نؤمن أننا لا نمارس هذا العقوق بحق المرأة، لأنه من المستحيل علينا استئصال تلك القيم العائدة إلى ثقافتنا وتوظيفها بشكل نصفه بالمتحرر على الجانب الآخر من الأرض، بمعنى دقيق الحياة الرقمية والانفتاح جعلت المجتمعات في العالم كله دون استثناء أمام إغراء ثقافات غربية بالتحديد حيث لا تشترط تلك الثقافات حدوداً للممارسات الشخصية عبر إغراء الجميع بأن تقدم لهم حياة أكثر ألفة وأكثر إيجابية من تلك الحياة التي يعيشونها في مجتمعاتهم.

قصة واحدة ساهمت في تدفق كم هائل من الهجوم وصل في بعض مراحلة إلى حد التنمر وإلى حد الحلول القاطعة التي لم تعد ممكنة في هذا التوقيت، فللأسف البعض ارتبك ولا يعلم ماذا يفتي في هذه القضية، هناك من هو خائف أن تطاله الأزمة أو تقترب من محيطه، وهناك من هو متفاجئ أن الاعتماد على المجتمع المؤدلج في إدارة المجتمع كان خطأ فادحاً، وهناك من ارتبك وخلط بين دور الدولة ودور المجتمع.

نحن اليوم في مجتمع يحاول أن يكرس نفسه من أجل إزالة المسببات التي تقف خلف عملية تحول المجتمع الحتمية، فليس أمامنا الكثير من الخيارات للتوقف عن التغير والتحول الذي يجب أن يقترن بمعرفة عميقة لمدى تحمل هذا المجتمع وتدريبه لكي يكون قادراً على إحداث التغيير بدقة وبلا ارتباك.

نحن أمام خيارات كثيرة وعميقة؛ فلم تعد المجتمعات في العالم كله قادرة على أن تمارس ذات الأدوار التي كانت قائمة خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، قضية رهف تتطلب منا المساهمة الحقيقية لتوليد قيم الاندماج وخلق ثقافة ليس فيها أسئلة مرتبكة ولكن فيها طرق مستحدثة للتفكير.

لقد خلق الله سبحانه وتعالى البشر عبر تاريخيهم منذ آدم وحتى اليوم بحيث لا يتشابه فرد مع آخر في بصمة يده، وعلينا أن نؤمن أن هذا مؤشر إلى أن كل فرد منا هو شخص مختلف عن الآخرين، وتقييم الحياة من خلال تعبير المجتمع عنها أصبحت من الماضي في حياة القرن العشرين، وأصبحت المؤسسات المجتمعية والمدنية متطلباً رئيساً لفهم الواقع الاجتماعي.

لقد عشنا خلال العقود الماضية ونحن ننتظر ما يتساقط علينا من المجتمع من ثقافات وقيم.. أما اليوم فالمؤثرات السياسية والاقتصادية والتحول الثقافي العالمي يؤكد باستمرار على أن الفرد هو المنتج النهائي الأهم ويجب أن تدفع بهذا الاتجاه كل المؤشرات التنموية، فهل حان الوقت لوزارة أو هيئة عليا للأسرة والمجتمع تتولى التفكير بعمق في رسم اتجاهاتنا لخوض عملية التغيير.