إننا لا نستطيع أن ننعزل عن واقع العصر، ولكن نستطيع أن نشارك ونبدع ونبني الوطن، ونحقق الإنجازات ونحن متمسكون بديننا، وبثقافتنا، وأخلاقنا، وعاداتنا، دون غلو ولا تفريط ولا اندهاش..

لم تكن الدهشة حالة عصرية تعتري البشر، بل هي غريزة ملازمة للنفس، ترسم عند حدوثها تعابير الاستغراب إعجابًا أو إنكارًا أو رغبةً أو تخوفًا، وقد يعجز بل قد ينعقد اللسان حال الاندهاش عن التعبير، فيتصرف المندهش عفويًا بما يثير تعجب الآخرين منه، وقد يكون هذا التصرف الناتج عن الدهشة تصرفًا مدهشًا للناظرين.

هذه مقدمة مختصرة عن الواقع الذي نعيشه في كثير من مواقفنا وتصرفاتنا، وليس لصورة الاندهاش التي نحدثها أبعادًا متناسقة، ولكنها صورة يقرأها الآخرون بأساليبهم المتعددة التي قد تصل أحياناً إلى الازدراء، حين نندهش ونرتبك لأمر عادي عند الآخرين.

وقد يطول بي المقام لو تحدثت عن أغلب الصور والأحوال المدهشة، ولكن حسبي أن آتي على الصورة التي تلزمنا مراجعتها وإعادة النظر في تقبلها، ألا وهي الحالة التي وصل إليها العالم من الحداثة العلمية المقربة للبعيد والمظهرة لكثير مما خفي، وهي من حيث كونها نقطة تحول للعالم كله، إلا أن كثيرا من"المسلمين" على وجه الأخص نظروا لهذا التحول بعيني المندهش، ولم يعودوا يملكون ردات فعلهم وفق ما يتطلب منهم!

فمثلًا حين بدأ فضاؤنا يستقبل المحطات الإذاعية وعرفها بعض الناس واندهشوا لهذا الذي تجاوز التوقع، بدأت التصرفات والآراء، وحتى في الحكم الشرعي ظهرت "الاندهاشات الفقهية" ورسمت صورة سلبية، وإن كانت ردة فعل إلا أنها أوجدت أبعادًا أثرت سلبًا في المجتمعات المسلمة! ولم نتجاوز تلك الآثار، فما زالت عالقة في أذهاننا، وأيضًا في تصرفاتنا نتيجة لتلك الحملات الاندهاشية التي ألبست لباسًا عقديا، أو فقهيًا، أو عرفيًا.

وما زالت تلك الحالة ترافقنا في كل جديد، وفي كل محفل، وفي كل مناسبة، فنسمع تلك الأصوات التي لا تنطق إلا لدهشتها، بل نرى كثيرًا من شباب المجتمع يتصرف تصرف المندهش بما لا يليق أن يرى نفسه فيه، فضلاً عن أن تنقله شاشات التلفزة ومواقع التواصل، كالذي يحدث –مثلاً- عند زيارة روّاد الفن في الأدب أو في الرياضة أو في المسرح وغير ذلك، حتى على مستوى المشاهدين نجد تلك الأصوات والنظرات والصيحات بل القفزات وكأنهم ظفروا بأمر جلل! وكل ما في الأمر هو أن الكاميرا التقطت صورة على مدرج أو في شارع أو في مسرح ظهرت فيها امرأة "بغض النظر عن الحكم الفقهي في الأمر"، ولكن حري بنا أن نستوعب أن الأمر لا يتناوله التصنيف والتوظيف الفقهي بقدر ما يجب أن يتناوله التثقيف الشعبي والمجتمعي، وتوطئة النفوس لرسم صورة عادية لا تظهر فيها أي ملامح للدهشة والاستغراب؛ لأن هذا الأمر اعتيادي في بلدان كثيرة.

وليس قولي ذلك إقراراً له، وإنما هو دعوة للنظر برباطة جأش لا اندهاش فيها، والاقتداء بسلفنا الصالح في تعاملهم مع كثير من الأحوال والمواقف المشابهة، فقد سافر أسلافنا ورأوا ما رأوا من حياة المجتمعات الأخرى، وتعاملوا مع تصرفات الآخرين وفق إسلامهم وبما تأمرهم به أخلاقهم، ولم ينقل عنهم من ردات الفعل المندهشة ما ينبغي الوقوف عنده وتأمله.

ونحن من المفترض أن نكون قد تجاوزنا نقاش هذا الأمر لولا وجود الدوافع المغلوطة لإظهار المجتمع بمظهر المستغرب والمندهش.

ولعله حريا بنا أن نكون عونًا وأيدي بناء لهذا الوطن المعطاء، ونشارك بكل ما نستطيع من كلمة وموعظة حسنة، ونصيحة صادقة، ونقد بناء، وفعل إيجابي لتقليل وتخفيف التصرفات الاندهاشية وردات الفعل التي لا تعبر عن الرجل أو المرأة المملوء ثقافة ومعرفة بأحوال الآخرين.

ولنعلم أيضًا أنه لا مجال أن ننهض بالوطن منفردين خارج إطار تقنيات ومكتشفات العصر، أو دون تواصل وتعايش مع بقية عامري الأرض ممن يوافقنا، أو يخالفنا في الدين.

وكذلك الأمر في كل مجالات الحياة، الرياضية، والفنية، والنشاطات الثقافية، فإننا لا نستطيع أن ننعزل عن واقع العصر، ولكن نستطيع أن نشارك ونبدع ونبني الوطن، ونحقق الإنجازات ونحن متمسكون بديننا، وبثقافتنا، وأخلاقنا، وعاداتنا، دون غلو ولا تفريط ولا اندهاش. هذا، والله من وراء القصد.