لن أتكلم عن الحرمان بمفهومه التقليدي كالحرمان من المال أو الحرمان من الرعاية، أو من عطف الوالدين لموتهما مثلاً..

وإنما سوف أتحدث عن الحرمان المعرفي، سأتحدث عن الحرمان من القراءة.. فالقراءة هي من أعظم منن الله ومتع الدنيا إن لم تكن أمتعها على الإطلاق.. القراءة هي السياحة في كون الله الواسع، هي السياحة في التجربة الإنسانية بكل أشكالها وألوانها وأنواعها.. القراءة تنقلك من واقعك أو من حياتك اليومية ربما شديدة القسوة، شديدة الجفاء والجفاف إلى عالم كله خصوبة ونماء.. فالقراءة المتنوعة تجعلك تعيش عصوراً متنوعةً وأفكاراً متنوعةً وأشخاصاً متنوعين، فتراهم وتمتزج معهم وتتحدث إليهم، ويتحدثون إليك مع أن كثيراً منهم أموات من عشرات أو مئات أو ربما آلاف السنين.. إن القراءة خاصية منحها الله للبشر وحدهم، كميزة يتصفون بها عمن سواهم، ومن ثم فإن عليهم استغلال هذه الميزة الإلهية كأحسن ما يكون الاستغلال.. لكن مع الأسف الشديد فإن كثيراً من الناس لا يقرؤون وإذا قرؤوا إنما يقرؤون العاجل السريع وغير المفيد.. ومع وسائل ما يسمى بالتواصل الاجتماعي فقد هبط مستوى المنشور وهبطت معه شهية القراءة وأصبح الناس يتناولون في قراءاتهم ما يلبي حاجاتهم المعيشية لا حياتهم العقلية والذوقية والفكرية.. والقراءة فوق أنها متعة ذوقية فهي منفعة سلوكية، تهذب سلوك الفرد الاجتماعي والعملي أيضاً.. ولكن بكل أسف فكثير من الناس، وكما أسلفت زهدوا فيها..! وهذا القول لا ينعكس على الثقافة فحسب بل على العمل أيضاً.. فقد ترى مسؤولاً أو ذا موقع قيادي، لا يهتم بالقراءة بل ربما أنه لم يكمل قراءة كتاب واحد في حياته، ومن ثم فإن سلوكه الوظيفي والاجتماعي، يظل محصوراً في دنياه هو، وتجربته الشخصية، ومن ثم فهو يسيّر العمل وفقاً لمنظوره فقط.. بل ربما تراه يزدري ويمقت الآخرين لأنه أقفل رأسه، وحجر على عقله فلا يرى صحيحاً إلا ما يراه، وهذا بطبيعة الحال مخل ومضر بما يتولاه ويصبح مسؤولاً عنه، وذلك بسبب حرمانه من القراءة والاطلاع، فانغلق عقله وضاق أفقه فضاقت بذلك حياته وحياة العاملين معه.