مفسدو العصر وخوارجه على اختلاف مسمّياتهم، خصوصاً المارقين عن هذه الدولة المباركة ممن لجأ خارج البلاد، فقد قدّموا نموذجاً حيّاً ومشاهد لعَمَهِ البصائر، وركوب متن العشواء، والـهَيَمَان في أودية الهوى، والتمادي في إنكار الحقائق

من نعم الله على مجتمعنا ترسُّخُ حسّ التديّن فيه، وقوة الوازع الديني بين أفراده، ولا عجب من ذلك فهنا منبع الرسالة الطاهرة، وموئل التوحيد الخالص، ومن هنا انطلقت راية الدعوة إلى شتى أصقاع المعمورة، ولما قامت هذه الدولة المباركة المملكة العربية السعودية جعلت أنظمتها مستمدة من الشرع الحنيف، وأولت التعليم الشرعي الأهمية القصوى، فأعانت بذلك المجتمعَ على التشبّث بدينه، وكعادة الذين أُشربوا في قلوبهم شبهة الخوارج لم يأبهوا بهذه الخصوصية، ولم يقيموا لها وزناً، ولا غرابة في ذلك فإن الاستقامة والهداية لا تنجيان الدولة من سهام الضُلَّال والمجرمين، ونبال مُهيِّجي الفتن والمارقين، ومثيري الشغب والمفسدين، وقد علمنا كيف أن الفتّانين المتستِّرين بشعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح الاجتماعي ثاروا على الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يومئذ أفضل الأمة الأحياء، وجيوشه تجوب البلدان لإعلاء كلمة الله، فلم يزالوا به حتى قتلوه، ثم علمنا كيف ثار الخوارج على عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو يومئذ خير من يمشي على الأرض، فقاتلوه وكفّروه، والمشغّبون المارقون، والخوارج الضالون انطلاقاً من هاتين الواقعتين الغريبتين يتستَّرون بقناعين:

أحدهما: قناعٌ كاذبٌ من غيرة دينية مزيّفة، لا زمام لها ولا خطام، أما المشغّبون المارقون فقد يتناقضون، فيزعمون الإصلاح وهم أبعد الناس عن الاستقامة الظاهرة، وأما الخوارج الضالّون فمعروفون بتمسُّكٍ ظاهريٍّ بالعبادات، لكن وراءه فسادٌ اعتقاديٌ عظيمٌ يجعلهم أسوأ حالاً من سائر العصاة.

الثاني: النقمة على الدولة من منظور ديني، فتراهم يندّدون بحصول التجاوزات في الدولة، وينادون بإصلاحها، ويدغدغون عواطف الناس بتقمُّص ثوب الإصلاح الديني، فَيُرْقِلون في الإفساد لا يألون المجتمع خبالاً، ولا يعتدّون بما عليه الدولة من تمسك بالدين ورعاية له، بل يغضّون عنه الطرف، ولا يستحيون من محاولة إخراج الناس من عافية الاستقرار إلى بلاء الفوضى.

تلك معالم طريق المارقين المخرِّبين، والخوارج الضالين منذ فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه التزم فيها اللاحق نهجَ السابق على ممرّ القرون، ولم يَحِدْ عن هذا المنهج مفسدو العصر وخوارجه على اختلاف مسمّياتهم، خصوصاً المارقين عن هذه الدولة المباركة ممن لجأ خارج البلاد، فقد قدّموا نموذجاً حيّاً ومشاهد لعَمَهِ البصائر، وركوب متن العشواء، والـهَيَمَان في أودية الهوى، والتمادي في إنكار الحقائق، ولم يجدوا بُدّاً من استعارة شعار مزوّرٍ من الغيرة الدينية علماً منهم بمكانة الدين في المجتمع، فأظهروا التقطُّعَ لهذا الدين كذباً، والتأسُّفَ للأخلاق زوراً، وقد خفي عليهم أن التديّن السليم الشائع في المجتمع يستلزم طاعة ولي الأمر، ولزوم الجماعة، والابتعاد عن التفرق والتحزّب، وأن وعي الشعب أكبر من أن يُصغي لخطابٍ دينيٍّ صادرٍ ممن هو خارجٌ عن الجماعة شاقٌّ لعصا الطاعة، وقد جمع هؤلاء بين طوامَّ متعددة منها:

أولاً: تغاضيهم المتعمّد عمّا ينعَمُ به المجتمع من مظاهر الخير العظيمة، وتجاهلهم المستمرّ لما فيه من صور البرِّ العديدة، وتماديهم في تسليط الضوء على إشكالات يسيرة منغمرة في بحر المحاسن، يتصيّدونها بكل حرص ومثابرة، ويخلطون القطرة منها ببحرٍ من المبالغات والأكاذيب، مما يدلّ على أن صدورهم مطوية على خُبثٍ كبير، وأنهم يريدون الإساءة مع سبق الإصرار، ولا يعنيهم الإصلاح.

ثانياً: إنكارهم العلني، وتشغيبهم على وليِّ الأمر، وهذا منافٍ للأوامر الشرعية الصريحة الآمرة بطاعة السلطان، الناهية عن منازعته، كما أنه منافٍ لدعوى الحرص على المصلحة؛ فإن ترتُّبَ الفوضى على تهييج الفتن وإثارتها معلومٌ لا غبار عليه، وإن من يدعو إلى الفوضى ويدّعي حبَّ المصلحة كمن يُشعِلُ الحريق في البيت، ويدعي تحرّي سلامة قاطنيه.

ثالثاً: يهاجمون بلادنا على أشياء توهّموها فيها، وتلك الأشياء وأكبر منها متحقّقةٌ عياناً في دولٍ أخرى يمدحونها ويؤيدونها، بل منهم من يدّعي الإصلاح الديني، ويرى أن دولتنا مقصرة في واجباتها الدينية، ويُبرِّرُ منازعته لولاة أمره، وتمرّده على أنظمة بلاده بغيرة دينية، وهو مع ذلك مُقيمٌ في بلاد الكفار، متقيّدٌ بأنظمتها الوضعية، متناغمٌ مع عاداتهم الاجتماعية.

رابعاً: ازدواجية معاييرهم، فهم في سلوكهم الخاص كغيرهم من الناس لا يدّعون لأنفسهم العصمة من الوقوع في المعاصي والمخالفات الشرعية، كما هو حال كل من ليس بمعصوم، لكن يُحرّمون أن يجري على مملكتنا شيءٌ من السنة الكونية المتمثلة في إمكانية الخطأ، فيؤاخذونها بكل دقيق وجليل مما يرونه خطأ، وذلك معيارٌ لو وزنوا به أنفسهم لاحتقروها، ولو أخضعوا له الدول التي يقيمون بها، والتي يمجّدونها لَبَدَا لهم الكثير من العيوب والطوامِّ، فتمحّض أنهم أتباعُ أهواء، وطُلّابُ مصالح، وأن أقنعتهم مهما بالغوا في شدّها فمآلها السقوط.