تمر بنا بين الفينة والأخرى قصة انتحار لشاب في مقتبل العمر، أو قصة لفتاة تحمل أفكاراً مخالفة للمجتمع وللدين، أو سلوك متطرف يحمل صبغة دينية، والكثير الكثير من الوقائع التي يقوم البعض بتجاهلها والتغافل عنها حتى تتفاقم المشكلة وتظهر على السطح وتأخذ أبعاداً أخرى لم تكن متوقعة، فالاضطرابات الفكرية التي تمر بالشباب (ذكوراً وإناثاً) يجب أن تؤخذ بمحمل الجديّة والاهتمام ولا نسمح لأي من كان أن يجني نتيجة تغافلنا وتهاوننا في البحث عن علاج من البداية.

الاضطرابات الفكرية يمكن النظر لها من خلال ثلاثة جوانب أساسية: أولاً: في أنها أفكار واعتقادات سلبية تعيق حياة الإنسان وتسبب له مشكلة وخللاً وحيرة وتردداً وقلقاً وعدم وضوح في تحديد الهوية الفكرية، وفي معرفة التوجهات الفكرية، وفي إدراك مسارات الحياة، ما يفقده الاستقرار والاتزان الفكري والنفسي والاجتماعي. ويمكن النظر لها بأنها تلك التوجهات والمبادئ والقيم التي يتبناها الشاب أو يحاول تبنيها، والتي قد يراها المجتمع أنها تخالف وتتعارض مع الثقافة الاجتماعية المحيطة بهم، وأخيراً، لا بد من النظر إليها بأنها (تغيّر) و(تحوّل) في القناعات والمبادئ والقيم والسلوك في تفكير الشخص الشاب نحو نظرته للحياة ونحو التوجهات الفكرية والمهنية والمجتمعية.

الاضطراب الفكري الذي ينتج عنه تبني الشخص لتوجهات جديدة أو تغيّر وتحوّل في التوجهات السابقة يأخذ مسارين؛ إمّا مساراً طبيعياً (سلمياً) ذا طابع شخصي وليس له أثر وتأثير مباشر على الآخرين، وهذا له ثلاثة اتجاهات؛ اتجاه إيجابي ينتج عنه استقرار واتزان ونضج ونظرة إيجابية للذات وللحياة وللمجتمع. أو اتجاه سلبي ينتج عنه خلل وأمراض نفسية وتفكك اجتماعي ونظرة سلبية للذات وللحياة وللمجتمع. أو اتجاه محايد، فالتغيرات الناتجة تكون طبيعية غير مؤثرة، مجرد تغيرات عادية قد لا تلاحظ، مثل تغيير نمط المذاكرة، تغيير الأصدقاء، تجربة رياضة جديدة، تجربة أماكن جديدة.

أو مسار غير طبيعي (غير سلمي): يأخذ الطابع الحركي العملي والتنظيري التبشيري، وله أثر مباشر على الآخرين، ويسعى لتكوين كيان رمزي عبر بناء مجموعات دعم مباشرة أو مواقع إلكترونية عبر الإنترنت، حسابات إلكترونية عبر السوشل ميديا، وهذا المسار له عدة ملامح منها: أن له اتجاهاً مخالفاً ومعارضاً للعرف الاجتماعي والثقافي والقانوني والشرعي، أو اتجاهاً منحرفاً وشاذاً (انحراف وشذوذ فكري وأخلاقي)، أو اتجاهاً صدامياً وعدائياً، والحل مع أهل هذا المسار قد يأخذ الطريق الرسمي للحد من توسعهم وانتشارهم وإيقاف الضرر الذي قد ينشأ عنهم.

أصحاب الأفكار التي قد يراها الآخرون (اضطراباً) وخللاً ومشكلة؛ هو قد يراها عكس ذلك تماماً، فقد يرى الاضطراب والمشكلة في عدم (فهم وتفهم) الآخرين له، وفي عدم التقبل له، فالحل يكمن في التفهم والاستيعاب والتقبل والتعايش والحوار، وهذا يحتاج مهارة عالية في التعامل.