إذا ما رجعنا لمعنى «حصائد الألسن» سنجد الأمر مرتبطًا بالمراد من كف الأذى عن الآخرين والسعي في التفريق والغيبة والنميمة بين الناس، وليس المراد التدقيق والتعنت في المحاسبة بالألفاظ..

"قل إنما أنا بشر مثلكم" كثيرًا ما نقرؤها، ولكن قليلاً ما يباشر التفكيرُ معناها، حيث أحاط الفهمُ الخطأ لمعنى التدين كثيرًا من جوانب الصورة المنقولة عن خير الناس خَلقًا وخُلقًا، وهو ما حذر منه صلى الله عليه وآله وأكد على منعه «لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله» وليس ذلك النهي مقتصرًا على ما اشتهر من أبواب العبادات والتوحيد، بل يتجاوز إلى المعاملة اليومية التي كان صلى الله عليه وآله يظهر فيها عفويًا ما اتصف به من الرحمة والحكمة والبشرية.

وقد نقلت كتب التاريخ والسير من سيرته صلى الله عليه وآله ما يعجز الآخِرين عن استيعاب صفاته في الاقتداء، ولكن بالتسديد والمقاربة!

وحيث تعددت مصادر النقل فقد يخطئ الكثير في رسم الصورة الذهنية عن النبي صلى الله عليه وآله، فقد تتشكل لذاك صورة غير الصورة التي رسمها غيره في ذهنه، وهو ما نجده واقعًا ناشئًا عن الاقتصار في المعرفة، فمثلاً في أبواب الفقه نجد الأحاديث والأدلة تقتصر على ما أراده الناقل والمؤلف من إثبات حكم وتقرير مسألة، وليس المراد رسم صورة متكاملة الأبعاد، فهذا لا يكون إلا في سياق تقرير السيرة، وعن ذلك ونحوه نشأت بعض الأخطاء الفردية في مسمى التدين حيث جرّدوا كل تلك النقولات والوقائع من كثير من معانيها العفوية، ومن غير المستغرب بعد ذلك أن تجد ذاك "المتكلف" في إظهار تدينه، يوحي للآخرين بالصورة التي رسمها في ذهنه عن نبينا صلى الله عليه وآله، وهو بين ذلك غائب التدبر عما نفاه التنزيل عن قدوة البشرية "وما أنا من المتكلفين".

في الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وآله: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟!» كثير من الآخذين بظواهر الألفاظ يدقق ويعنت في هذا الباب وهو لا يدرك ولم يتدبر سياق الحديث نفسه، فقد صدره النبي صلى الله عليه وآله بما ينبئ عن المراد منه، فقد افتتحه بقوله «ثكلتك أمك» وهي كلمة حقيقة لفظها دعوة بالهلاك، فالثكل هو الفقد، ولكن معاذ الله أن يكون ذلك قصدًا للنبي صلى الله عليه وآله وهو الذي قال لمعاذ «إني أحبك» والبعض قد يحاول صرف اللغة إلى ما يتماشى مع فهمه فيقول هي "عادة العرب" وقد صدق فهي عادة للعرب ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سيد الفصحاء ويعي ما يقول، ولكن فوق أنها عادة العرب، فهي أيضًا عفوية البشر، فقد يمازحك أو يخاطبك من يحبك بألفاظ اعتادها الناس من دعوة أو غمزة أو لمزة ولكنه تعبير عن حبه لك ليس إلا، ومن ذلك أيضًا «تربت يمينك» أو «تربت يداك» أي افتقرت وهو دعاء لا شك لكن هو في سياق استعماله، وهو ما جرت به عادة الناس من صرف النظر عن المعنى السيئ الذي تنطوي عليه الكلمة، وهذا شائع بين الناس إطلاق الألفاظ والكلمات التي لا يريدون حقيقتها، ولعلنا هنا نجد أن البعض تضيق به الدنيا ويحشرج صدره إذا سمع شيئًا من تلك الممازحات والعادات بين الناس، وربما عرض نفسه للإحراجات في الأماكن والأسواق العامة حين ينكر ما درج عليه الناس مما لا يرون فيه ما يرى، وإذا ما رجعنا لمعنى "حصائد الألسن" لوجدنا الأمر مرتبطًا بالمراد من كف الأذى عن الآخرين والسعي في التفريق والغيبة والنميمة بين الناس، وليس المراد التدقيق والتعنت في المحاسبة بالألفاظ، وهو ما يؤيده ويشهد له سياق الحديث نفسه. هذا، والله من وراء القصد.