في الخمسينات والستينات، كانت بيروت جنة الله في أرضه، وكانت تلعب الدور المحوري في الحركة الثقافية العربية، يؤمها المثقفون والكتاب والشعراء والأدباء لأنها تعج بالصحافة الحرة والمسارح العتيقة ودور النشر الشهيرة ومعارض الفنون والمتاحف الأثرية والجامعات العالمية، وعلى لحن افتتان العرب بحاضرتهم الجميلة ونغمتها الطروب التي تمنحهم من الثقافة والفكر والفنون تغنوا بها وأطلقوا عليها باريس الشرق على غرار ما تقدمه باريس الغرب لأوربا والعالم من الفنون والآداب.

إن ما يميز بيروت عن سواها، هو تعدد الحضارات البشرية التي مرت على تاريخها الطويل وعلى امتداد خمسة آلاف سنة شملت الفينقيين واليونانيين والروم والعرب والأتراك والفرنسيين، فكل هذا التمازج الفني والثقافي الخصب بين أعراقها المتنوعة جعلها حصيلة ثقافية وذخيرة فكرية لشعوب حضارية حكمت هذه المدينة حتى أثرت وتأثرت بها ومنحتها سمة الأنموذج الثقافي بين الحواضر الشرقية.

لقد تخلفت بيروت عن طريقها الحضاري وتراجعت على كافة الأصعدة لسببين رئيسين أغرقاها في الدوامة السياسية وهما: الطائفية الدينية، والثورة الخمينية، ففي منتصف السبعينات اندلعت شرارة الطائفية الدينية باقتتال عنيف بين المسلمين والمسيحيين، انقسمت بيروت على إثره إلى شرقية وغربية، فعمت الفوضى وانتشر الخراب في أرجاء المدينة، وبعدها وجد الجيش الإسرائيلي فرصته الثمينة لاقتحام لبنان ليصل مشارف العاصمة بيروت ويعيث حولها بالدمار والفساد.

وفي العام 1979، انطلقت الثورة الخمينية في طهران تحت شعارات الولي الفقيه، وأعلنت عن تصدير ثورتها البائسة في المنطقة، وعلى إثرها تعرضت بيروت لنكسة حضارية خطيرة إثر نشوء حزب الله المدعوم من فيالق الحرس الثوري الإيراني والذي ما برح من حينه في تعطيل الحركة السياسية في لبنان وكبح أي مشروعات تنموية في بيروت، حتى تمكن اليوم من إرجاع بيروت إلى عهود متخلفة من الفقر والجهل والركود الاقتصادي كما نراه اليوم.

وأخيراً، لقد بدت بيروت اليوم تنتفض على ظالميها وتنفض الغبار عن جسدها الأنيق، حيث يبدو أن اللبنانيين اليوم قد وعوا الدرس جيداً وأدركوا أن عاصمتهم بيروت تتسع لهم جميعاً، وتيقنوا أن الطائفية المقيتة قد أرجعتهم إلى الوراء كثيراً وجرتهم إلى الكوارث المدمرة والحروب الفادحة، كما أن الثورة الخمينية في طريقها إلى الأفول الأبدي عن جغرافيا المنطقة، فهي تعاني من الاحتضار السياسي في عقر دارها، ومن زوال هذين السببين أكاد أجزم بعودة باريس الشرق إلى سابق عهدها الميمون من الثقافة والفكر والفنون والموضة كما عودنا تاريخها الأنيق.