أعتقد أن هذه الأجيال الإلكترونية الهشة ترتعب لأدنى حدث غير عادي، مثلما حدث مع خبر اكتساح الجنادب الليلية للحرم المكي، انتشرت صورها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحدّث ولا حرج عن الآراء الصادمة التي كشفت مدى جهل هذه الأجيال للطبيعة وأسرارها.

إنّها أجيال لا تتعب نفسها حتى للبحث عبر غوغل عن تفسير علمي لظاهرة مماثلة. فهي الأجيال التي لم تتابع مسلسل "زينة ونحول" مثل "جيلنا العجوز" لتتصالح مع كل أنواع الحشرات التي خلقها سبحانه وتعالى. فنحن نحترم النملة المجتهدة ونضحك على الجندب الطائش، ولكننا لم نرتعب يوماً لا من النمل ولا من الجنادب، ولا غيرها.

في طفولتنا قرأنا الكثير من قصص ابن المقفّع، فأحببنا الحيوانات، وقد كانت تلك القصص الجميلة محفّزة لنا لنقترب من تلك الكائنات الصغيرة ونكتشفها عن قرب، كانت نوعاً من التسلية لنا لأننا حُرِمنا من الألعاب.

حتى حين هجمت علينا جحافل من الجراد في أواخر الثمانينات، تعاملنا مع الوضع بشكل طبيعي، فتعلمنا كيف نحمي وجوهنا، وهي تصطدم بنا خلال طيرانها المجنون، فيما تكفّلت الهيئات المختصة بالقضاء عليها بالمبيدات اللازمة.

لا أذكر أني خفت من حشرة، أو حيوان زاحف في حياتي، فقد ولدت وعشت بين الحقول والغابات والأنهر، وقرأت الكثير من الأدب الذي اتخذ من الحيوانات والزواحف والحشرات أبطالاً له، وشاهدت من المسلسلات الكرتونية ما غذّى مخيلتي بمزيد من المحبّة لكل كائنات الله.

حتى إني أذكر أنني مع أصدقائي، نخرج ليلاً بعد يوم ماطر حاملين مصابيح صغيرة لنتفرّج على الحلازين وهي خارجة من مخابئها، وفي الربيع نبحث بين شجيرات التوت عن شرانق الفراشات، وكان المحظوظ فينا من يكتشف فراشة في لحظة خروجها من شرنقتها.

لا أحد كتب من الكتاب العرب المعاصرين قصصاً بجمال مجموعة كليلة ودمنة الهندية الأصل، ولكن الغربيين بعد تأثرهم بها، أبدعوا في هذا المجال، لإدراكهم المبكّر أن محبة الطفل للطبيعة وكائناتها شيء فطري فيه، فابتكروا الكثير منها، وصنّفوا بعضها بالشرير وبعضها الآخر بالطيب حسب أنواعها، ما زرع في الطفل برعماً صغيراً من المعرفة المبكّرة لطبيعة الحيوانات وسبل التعامل معها. فالحيّة مخادعة، والعقرب شريرة، والنحلة نشيطة وسخية، والنملة مجتهدة، والدّبور جبان يهجم على كل من يقترب منه، والفراشة قبل أن تصبح ملكة جمال كانت دودة مقزّزة..

هذا هو عالم الحشرات والحيوانات الذي بنيت عليه آلاف من قصص الأطفال، كلها دروس، وقيم، لكن الأهم، أن الله خلقها لأنها جزء من توازن الحياة وليست لعنة.