مفهوم الموهبة والإبداع يجب أن ينعكس على طرق التدريس في المدارس، مع التركيز على التدريب العملي في الكليات العلمية وكليات التقنية، ورعاية المواهب منذ الصغر في جميع المجالات التي نريد أن يبرز فيها أبناؤنا ليمثلوا المملكة في شتى المجالات..

كتاب أنصح بقراءته من كل أب وأم ومن القائمين على التعليم والتدريب في المدارس والجامعات ومن هيئة الرياضة ومؤسسة الملك عبدالعزيز لرعاية الموهوبين وكل من يهتم بتنمية المواهب وتعزيز القدرات. هذا الكتاب من تأليف الكاتب دانيال كويل وهو من أكثر الكتب مبيعاً حسب "النيويورك تايمز".

ورغم أن الكاتب ليس متخصصاً في علم الأعصاب، إلا أنه استقى الكثير من المعلومات من مراكز أبحاث وعلماء متخصصين وأطباء، وتتبع برامج بعض من تفوقوا في مجالاتهم الرياضية والفنية على مستوى العالم، فزار أماكن تدريب لاعبي كرة القدم في البرازيل ولاعبات التنس في كوريا الجنوبية ولاعبي السيرك في روسيا، وملاعب السلة ومعاهد تعلم الموسيقى في أميركا فوجدهم يشتركون في صفات من أهمها الجلد على التدريب المكثف ووجود ملهم يشعل شرارة الرغبة في التحصيل والتفوق مما يبعث الحماسة لدى المتدرب، وهو ما يفسر اشتهار بعض البلدان في لعبة أو مهنة معينة، فوجود شخص أو أشخاص ملهمين تجعلهم مثالاً يحتذى من قبل أبناء ذلك البلد، ليس في الرياضة فقط ولكن حتى في العلوم والاختراعات والفلسفة وغير ذلك.

يوضح الكاتب أن كل مهارة سواء في الفن أو الرياضة أو الحرف تصنع دوائرها العصبية التي تتكون داخل المخ نتيجة التدريب المكثف ثم تبني عليها مادة تسمى "المايلين" وللمرة الأولى أسمع بهذه وربما لم يسمع أكثر المدربين والمعلمين بها رغم أهميتها، والمايلين عبارة عن مادة دهنية تخلق غطاء واقياً حول الخلايا العصبية فتبقي المعلومات داخل العصب وتسرّع في انتقالها، وتشبه الغلاف البلاستيكي الذي يغطي الأسلاك الكهربائية، وتؤدي دوراً حاسماً في عملية التعلم والتطور وفي إبراز المواهب وتساعد في اكتساب المهارات الدماغية ومنها الرياضية والفنية والقراءة والذكريات، ومن دون مادة المايلين لا تحمل الأعصاب الرسائل بسرعة كافية، وهو ما يفسر بطء الحركة مع تقدم السن لنقص هذه المادة، وتزداد كثافتها مع التدريب واستثارة العقل بالأسئلة والبحث عن الإجابة والاستمرار في التعلم مدى الحياة، ولا يوجد بديل عن التدريب المكثف لصقل المواهب، وقد أورد دراسة على عينة من الطلبة اليابانيين في الصف الثالث الابتدائي، قضوا 44 % من الوقت الدراسي يخترعون ويفكرون ويجتهدون بهمة لتشكيل المفاهيم، وعلى الجانب الآخر فإن عينة الطلبة الأميركيين في الدراسة قضت أقل من 1 % من وقتهم الدراسي في تلك الحالة، اليابانيون يريدون لأولادهم أن يكافحوا كما قال جيم ستيقر الأستاذ في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس الذي أشرف على الدراسة، وأضاف: يعطي أحياناً المدرسون اليابانيون عن عمد إجابة خاطئة حتى يكون بوسع الطلبة أن يشتبكوا مع النظرية، بينما المدرسون الأميركيون يعملون عمل النادل، فكلما وجدوا عقبة فهم يعملون على تجاوزها للتأكد من أن الفصل يعمل بشكل انسيابي، لكنك لن تتعلم من خلال الطرق الإنسيابية.

وكما هو في الفصل فكذلك في الملاعب في مختلف أنواع الرياضة فلا يكفي بروز ملهم على مستوى البلد، ولكن لابد من وجود مدارس تستثمر هذه الحماسة في تدريب مكثف وانضباط ودعم أسري وفخر وطني واهتمام من قبل اللاعب وهو ما يبني تلك الدوائر العصبية والمغلفة بمادة المايلين حينها يصبح التطبيق سهلاً، فلاعب الجمباز حين يقفز فهو لا يفكر في كل حركة سيقوم بها بل تأتي عفوية وسهلة من كثرة التدريب والتكرار، فكل حركة قد أوجدت مساراتها في تلك الدوائر العصبية وهذا هو ما يفسر صعوبة التخلص من العادة المضرة رغم إدراكنا لخطورتها، ذلك أنها قد اتخذت مكانها في المخ ولا يمكن إزالتها، ولكن يمكن استبدالها بعادة بديلة تنحيها جانباً.

الكتاب يؤكد على أهمية اكتشاف مادة المايلين في المخ وضرورة استثمارها في وقت مبكر وهو ما يفسر سهولة التعلم والحفظ في سن مبكرة، وأن المواهب تنمى بالتدريب المكثف، وأن المهارة ما هي سوى طبقة عازلة من المايلين تلتف على الدوائر العصبية وتنمو وفق إشارات معينة.

كل هذا يقودنا إلى تغيير مفهوم الموهبة والإبداع، وأنها ليست نتيجة عوامل وراثية وجينات بقدر ما هي تدريب مكثف وحماسة وانضباط وهو ما يجب أن ينعكس على طرق التدريس في المدارس، مع التركيز على التدريب العملي في الكليات العلمية وكليات التقنية، ورعاية المواهب منذ الصغر في جميع المجالات التي نريد أن يبرز فيها أبناؤنا ليمثلوا المملكة في المسابقات الدولية في شتى المجالات.