أخيراً سنحت لي الفرصة لزيارة البيكاسيت أو "بيت شظايا الزجاج The Picassiette house" لأقف مذهولة أمام ذلك البيت التحفة، والذي لا يمكن أن يستوعب العقل كونه من نتاج رجل واحد.. البيكاسيت أو بيت شظايا الزجاج حسب تعريف ويكيبيديا هو منزل يُمكن اعتباره مثالاً على العمارة الفطرية غير المحترفة والتي تتكون من فسيفساء من القيشاني والزجاج ملتحمة في الإسمنت. يقع في شارتر، وتم اعتماده كمعلم سياحي يتبع في إدارته وصيانته لمتحف الفنون الجميلة في المدينة.

البيكاسيت هو تحفة هذا المواطن البسيط "ريمون إيزيدور Raymond Isidore 1964 - 1900" والذي تعد قصته أقرب للخيال، فمن بداية كابن لأسرة مروراً بشغله لوظيفة عامل في الطرق منتقلاً لوظيفة عامل يكنس المقابر بمدينة شارتر الفرنسية في مقاطعة سان شيرون، وانتهاء بجولاته اليومية بين الأحياء ومقالب الزبالة حيث ظهر شغفه بشظايا الزجاج والخزف الملون، يتجول ريمون ويجمع الشظايا البراقة ويكدسها في منزله، ثم وذات يوم خطر له أن يزين بها جدران منزله، بدأ بإلصاق الزجاج بالإسمنت مشكلاً لوحة فسيفساء صغيرة في المدخل، ثم لم يلبث ذلك المربع أن تمدد ليغطي كامل الجدار، كلما زحفت فسيفساء الزجاج كلما تأجج شغف ريمون إيزيدور بتلك الشظايا، يتجول بلا هوادة ويجمع، وتزحف الشظايا على خمس وعشرين سنة من عمر الرجل لتغطي المدخل وتتمدد لداخل البيت وخارجه، للحجرات وللأسقف وللأرضيات بل وللأثاث المقاعد والطاولات والدواليب بل وللتحف والأطباق والكؤوس والطناجر وتخرج للحديقة، لم يبق شيء ولا تكوين لم تحتله وتحوره تلك الفسيفساء التي أخذت تتشكل في لوحات وطيور وحيوانات ونبات وبشر.. موهبة خارقة تفتقت في تلك الشظايا وعلى كامل البيت لكأنما تزحف في دم ذلك المبدع وتحت جلده حتى اعتبره الجيران مجنوناً.

ولولا أن أدركته المنية لزحف ريمون إيزيدور بفسيفسائه مع الشمس والريح للطرقات ولكامل المدينة... نهاية ريمون لا تقل جموحاً عن تشكيلاته الزجاجية، حيث جاء تدخل العالم الخارجي ليسلبه معتكفه، أثقله اهتمام الصحافة وخنق عفويته، اضطربت نفسيته وفي ليلة عاصفة خرج فاراً من تحفته تلك ليهيم على غير هدى بين الحقول يصلي ليبلغ نهاية العالم، عثر عليه وأُعيد لتحفته حيث لفظ أنفاسه الأخيرة في فسيفسائها.

شكلت تلك الحياة القصيرة ومساحة البيت الصغير حداً لشغف ريمون لكن لم تنجح في الحد من خلوده، فحين توفي ريمون إيزيدور ترك وراءه ذلك المتحف من الفن الخام، الفن الفطري الساذج لكن الباهر في عمق الرسالة التي يحملها، رسالة مفادها أن كلاً منا نحن البشر يحمل داخله بذرة إبداع بوسعها تغيير العالم حين يرفدها بالعمل الصادق والمثابرة، رسالة كان لابد وأن تلفت الأنظار، فلقد صار ذلك البيت التحفة مقصداً للمعجبين من مختلف أنحاء العالم مما دفع بلدية مدينة شارتر للمسارعة لتبنيه العام 1981 وألحقته بمتحفها حيث توسع في استقطاب السياح الذين يتناقلون أخباره و يزداد تدفقهم منجذبين لسمعة تلك التحفة، يدفعون تذكرة الدخول الرمزية بحماسة وينسحرون للداخل، داخل البيت وداخل مخيلة ريمون إيزيدور وجنونه، يتجولون في تلك المعجزة في حجراتها وممراتها وحديقتها مبهورين بعصارة إبداع الرجل الذي أبرزها للوجود وحده متنقلاً يبدع بحرية مثل طير أو مثل حشرة أو ظاهرة من ظواهر الطبيعة، تتجول بين تبدلات الفسيفساء وتشعر لكأنما أنفاس ذلك المبدع لاتزال تتخلل قصصها مع عرق يديه وعميق خيالاته، تتجول وتتأجج داخلك حاجة ملحة للإبداع، تتجول وتُشْحَذ شهوتك لإنتاج قصيدة أو لوحة أو لحن لتلتحم كشظية من تلك الفسيفساء أو مخيلة كناس المقابر ذاك الذي تخلد ذكره بمجرد شظايا تحولت على يديه لتُلهم الأجيال.

بيت ريموند إيزيدور من الشظايا يمكن اعتباره واحداً من أبرز الإنجازات المعمارية العفوية الساحرة، تحفة تلهمنا وتدفعنا لوقفة تأمل، التأمل الذي هو الهدف النبيل للفن.