رواية الألم والشجن، رواية أشبه بسيرة ذاتية، تعيد لنا سرد الماضي بسلاسة وبلغة شاعرية كما عودنا واسيني، عن فتاة ولدت في بلدة الناصرة بفلسطين من أب لبناني وأم سوري درست في لبنان، وفي مصر تبلورت موهبتها كأديبة، وزاد شغفها بالاطلاع، فدرست اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية، ثم عكفت على التمكن من اللغة العربية بعد نشر ديوانها (أزاهير حلم)، ولم تنس بلدتها الناصرة؛ حيث راحت تتساءل في كتابها (ظلمات وأشعة): أين وطني؟ فتقول: ولدت في بلد، وأبي من بلد، وأمي من بلد، وسكني في بلد، وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد، فلأي هذه البلدان أنتمي، وعن أي هذه البلدان أدافع.

تنوعت الفنون الأدبية التي عالجتها على اختلاف موضوعاتها، وذلك يرجع إلى مواهبها المتعددة وملكاتها المتفردة، وظلت على مدى ثلاثين عاما تعطي إبداعاً وفكراً مؤثراً، كانت رائدة من رائدات اليقظة النسوية، رغم ذلك لم تنل حقها من الباحثين والنقاد.. إنها مي زيادة أو «إيزيس كوبيا» الاسم المستعار الذي اشتهرت به.

تقول مي: إني أموت لكني أتمنى أن يأتي بعدي من ينصفني. وقد أنصفها واسيني عن طريق سرده لقصة مخطوطة ليالي العصفورية التي دونت فيها مي زيادة تخاذل المحيطين بها في محنتها واكتئابها بعد وفاة والدها ووالدتها واستدراجها من قبل ابن عمها إلى لبنان، واحتجازه لها في مصحة الأمراض العقلية بعد ما اتهمها بالجنون، وذلك بهدف الاستيلاء على أموالها وممتلكاتها.

أجاد واسيني الأعرج في إعادة حضور تلك الأديبة التي خرجت عن النص، فأعاد إحياء ذكراها بخياله الثري الذي أوشك على إيقاعنا في فخ التصديق والتسليم أن كلماته ما هي إلا حقيقة خطتها مي زيادة وذاكرتها المفقودة.

وكما تقول مي زيادة:

« لقد فات قطار العمر بسرعة. وبقيت واقفة على الرصيف القديم. أغزل الخيوط احتماء من برد شتاء كان على الأبواب، ونسيت أنه كان بداخلي».