ارتفع صوته المبحوح الحاد، كما يرتفع صوت الديك عند طلوع

الفجر: «عوك يا أهل الحلة. يا ناس البلد. عزة بنت العمدة

كاتلالها كتيل. الزين مكتول في حوش العمدة». وفوجئ

الناس بتلك الجرأة، والتفت العمدة بعنف ناحية الزين وقد تحرّك

غضب غريزي في صدره. وفجأة كأنما الناس كلهم، في آن واحد، أدركوا التباين المضحك بين هيئة الزين، وهو واقف

هنالك كأنه جلد معزة جاف، وبين عزة بنت العمدة، فانفجروا

ضاحكين كلهم في آن واحد. ومات الغضب في صدر العمدة.

كان جالساً على مقعد تحت ظل نخلة، محمـر العينين، منتفض

الشاربين، يحث القوم على العمل. كان رجلاً مهيباً جاداً قلّ أن

يضحك، بيد أن هذه المرة قد ضحك من قول الزين، ضحكته

الخشنة المفرقعة، وصاح به: «الزين.. انبقيت اشتغلت

شديد الليلة، نعرّس لك عزة». وضحك القوم مرة أخرى

مجاراة للعمدة، ولكن الزين ظلّ صامتاً. وعلى وجهه جد

واهتام، ودون أن يشعر وجد ضربات مِعْوَلِهِ في الأرض تزداد

قوة وتتابعاً.

ومضى شهر بعد ذلك والزين لا حديث له إلا حبه لعزة

وأن أباها وعده بزواجها. وقد عرف العمدة كيف يستغل

هذه العاطفة، فسخر الزين في أعمال كثيرة شاقة يعجز عنها

الجن. كنت ترى الزين العاشق يحمل جوز الماء على ظهره في عز الظهر، في حرّ تئن منه الحجارة، مهرولاً هنا وهناك، يسقي جنينة العمدة. وتراه ماسكاً بفأس أضخم منه يقطع شجرة أو يكسر حطباً.

الطيب صالح