علم تسويق الدولة

إن ما كان يعتقده العالم في الماضي القريب - ولا يزال - من أن المملكة دولة متشددة ما هو إلا خلل وتقصير في الترويج الإعلامي العالمي للفكر وللدولة ولمنجزاتها ولحضارتها ولعاداتها ولتقاليدها ولنهضتها..

قد يغيب عن البعض منا مفهوم التسويق، وإن عرفناه غاب عنا فهم وظيفته! فالتسويق من وجهة نظري هو عرض وتحليل وتفسير وإضاءة على منتجات لقصد ترويجها والتأثير في وجدان الآخرين. وقد يبدو هذا التعريف سهلاً في قراءته الأولى، إلا أنه من أعقد الأمور وأصعبها على الإطلاق، في زمن نحن لا نخاطب إلا بعضنا بينما يجب أن نخاطب العالم أجمع شرقه وغربه، ولهذا وجب علينا إخراج علم التسويق من ردهات الأكاديميات إلى واقع التطبيق، وهذا ما لا نراه يطبق بحرفية كاملة سوى في بعض البلاد العربية وعلى استحياء.

ونحن هنا لا نتحدث عن تسويق المنتجات السلعية الذي صدعنا أصحابها بالإعلانات التلفزيونية معتقدين أنها الوسيلة الوحيدة للتسويق، وإنما نتحدث عن حاجتنا إلى تسويق أهم وأعم وأشمل وهو الترويج للدولة إذا ما صح استبدال الكلمة. الترويج لكل شيء لدينا لا يفهمه العالم ولا يعرفه، بينما هو واقع يدور على رحى التقدم والبناء والسلام والحب والحضارة العريقة التي تضرب جذورها في عمق ما قبل التاريخ.

نحن لا نزال نخاطب بعضنا البعض على مستوى العالم العربي، بينما نجد دولاً صغيرة على طرف جناح الجزيرة علمت وفهمت فعملت على الترويج بعلم، فقلبت مفاهيم العالم كله وإن كان ذلك ضدنا، إلا أنهم اشتغلوا على هذا العلم بحرفية كبيرة وهذا ما جعل العالم يتحدث عن كل المفاهيم المغلوطة التي يروجون لها، فأنشؤوا قنوات بلغات مختلفة، واستأجروا مساحات من الصحف الإعلامية العالمية، كما اشتروا مساحات من البث على قنوات عالمية، ولذا خرج الصوت إلى العالم الذي أصبح قرية واحدة، بينما نحن في الوقت نفسه ندور حول الدائرة دون الولوج إلى مركزها!

لقد هالني ما وجدته من حضارة وقيم (شيم) وتقاليد حين كتابة موسوعتي - الجزيرة العربية - وما تكتنفه هذه الأرض من عادات وتقاليد غزونا العالم بها حينما كنا نروج لها فغيرت العالم حينها كما قال المستشرق الإنجليزي ويلفريد ويثسغنر: "لقد كنت أفكر في أثر العرب على التاريخ العالمي، لقد فرض أعراب الصحراء ميزاتهم وخصائصهم وتقاليدهم على الجنس الغربي كله، فالعادات والمعايير التي شملت جزءاً كبيراً من العالم، كانت كلها قادمة من الصحراء."! أو عندما قال المؤرخ الشهير رالف لينتون في كتاب شجرة الحضارة: "لا نعلم متى صنع أول نول أو محراث وإنما نجزم أنه كان في الجنوب الغربي لقارة آسيا فيما يقرب من 5000 ق. م" وهذه هي البذرة الأولى لتاريخ الحضارة.

هذا إذا ما تحدثنا عن حضارتنا وعمقنا التاريخي، أما عما ينجز في وقتنا الحاضر وما يقوم به قادتنا من تحديث وتطوير على مستوى تطوير الدولة أو تطوير أسلوب الحياة، فلا يسمع عنه إلا نحن في ضوء ما يجتاح العالم من تقلبات فكرية واقتصادية!

إن ما كان يعتقده العالم في الماضي القريب - ولا يزال - من أن المملكة دولة متشددة ما هو إلا خلل وتقصير في الترويج الإعلامي العالمي للفكر وللدولة ولمنجزاتها ولحضارتها ولعاداتها ولتقاليدها ولنهضتها.. وقل ما تشاء!

فالترويج الإعلامي كما يصفه عميد التسويق الإعلامي فليب كوتلر بأنه "ليس عملية تحديد شكل الإعلان وأين سيتم نشره، أو عملية إرسال نشرات ترويجية بطريقة عمياء للجميع، أو الإجابة على اتصالات العملاء، إن التسويق هو عملية تفكير منظم فيما الذي يمكن إنتاجه، وكيف تلفت النظر إليه بسهولة ويسر، ثم كيف تجعل الإقبال عليه وهم في حاجة لهذا المنتج" ويقول جاك ويلش الرئيس السابق لمجموعة جنرال إلكتريك: "نحن في عصر القيمة. إذا كنت غير قادر على ترويج منتج ذي جودة عالية للغاية، على مستوى العالم، فأنت ستخرج من السباق".

نعم هذا هو الفخ الذي نقع فيه معتقدين أن الترويج الإعلامي هو الإعلان، وبينهما فرق شاسع لا يعرفه إلا علماء الترويج. ولذا نحتاج الترويج لمنجزاتنا ولدولتنا بما تحمله من إرث كبير في المحبة والسلام والتسامح والقوة أيضاً إذا ما لزم الأمر؛ لأن كل ذلك موروث في تكوين الدولة ومعضد لما تسعى له من تطوير، فالعالم كله لا يعرف عن المملكة سوى كونها دولة نفط ليس إلا، أو دولة بها الحرمان الشريفان، أو مجتمعاً بدوياً لا يعرف إلا الترحال، ونحن نتحدث هنا عن عامة الشعوب التي لا تهمها نشرات الأخبار ولا تصريحات المسؤولين!

وكما يقول كوتلر: "لا نعتبر التسويق على أنه فن تصريف منتجات الشركة، ولا تخلط التسويق مع البيع، لأنهما "يكادان" أن يكونا ضدين، بل اعتبر التسويق على أنه فن خلق قيمة جديدة غير مسبوقة ذات أهمية فتساعد على أن يحصل المستقبل على قيمة أكبر من عملية الشراء. وتذكر هذه الكلمات الثلاث جيداً: الجودة، الخدمة والقيمة"!

نعم نحن نحتاج إلى تسويق بلادنا بكل ما لدينا وكل منجزاتنا وكل عاداتنا وقيمنا وسلوكنا في ضوء هذه الكلمات الثلاث (الجودة، الخدمة، والقيمة).






مواد ذات صله

Image

دروس متأخرة

Image

محاصرة المحتوى المتطرف

Image

نعمة التجارب..!

Image

خليل وعبث الحكام!

Image

«خلك ذيب»

Image

أصلحوا تسريبات المياه

Image

ساهر يحتاج إلى سعودة







التعليقات