مركاز

جدة.. مهمة يحيى حقي!

عندما وصل "يحيى حقي" إلى جدة العام 1929 ليباشر عمله في السفارة المصرية، كان في الثانية والعشرين من العمر، والعمل في جدة كان بداية مشواره الدبلوماسي. سكن ببيت "باناجة" في حارة الشام، وهو يصف هذه الأسرة بالثراء الواسع، وأن لهم عمارة كبيرة في ميدان "باب اللوق" بالقاهرة، لكن صاحب "قنديل أم هاشم" ذاق الأمرين من الرطوبة وندرة الماء في جدة؛ وبسبب هذه الندرة لعب "الطشت" دوراً كبيراً في تيسير أمور النظافة وغسيل الملابس والاستحمام؛ حتى الكهرباء، كانت لها ساعات محددة، ما كان يضطره لاستخدام "الأتريك"، الذي عزى إليه معاناته، من ضعف البصر!

يصف "يحيى حقي" جدة بأنها: "مدينة القنصليات والرطوبة، والشعاب المرجانية، ومكتبة "الأفندي" محمد نصيف. كانت حديقتنا الصحراء، ومزارنا "قبر ستنا حواء"، وأكلنا حبوب "الكينا" ونومنا داخل ناموسية، الهواء خارجها خانق.. كان الاستحمام بماء "الكنداسة". السقاء امرأة من "التكارنة"، الصفيحة تركب رأسها، وطفلها يركب ظهرها، مشدوداً بحزام، تتدلى رأسه، لا عن قهقهة أو إغماء أو هيام بالسماء والسقوف، بل عن استسلام تام مطلق للقهر، سيكون ديدنه بقية مشواره، حين يمشي على قدميه. الأم تمثال من الأبنوس، في عز الشباب، مستقيمة الظهر، ممشوقة القد، صبوحة الوجه، بريق أسنانها فرح، قمر يجلو الغمة، جاءت من غرب إفريقيا سيراً على الأقدام، وعبرت البحر في سنبوك، لا سعياً وراء الرزق، بل للقاء حبيب في المدينة المنورة، ولما زارته عز عليها الفراق، حيث يكون وطنها ومثواها!"

ومن الأشياء الغريبة التي صادفت "يحيى حقي" وهو يزور مكة، "حاجاً وراعياً لحجاج بلاده"، سيادة اللهجة الشامية، نتيجة دأب "الشوام" ونشاطهم؛ حتى العراقيون والإيرانيون وغيرهم من العرب المقيمين في الحجاز، لهجتهم إلى "الشام" أكثر من الحجاز، ومن الواضح أن مصر في ذلك الوقت، كانت تعيش انتعاشاً اقتصادياً، حتى إن بعض الهنود الذين يصفهم بأنهم يتميزون بالذكاء والخبرة، أبدوا أملهم في أن تحل الخبرة الهندية مكان الأجانب، والإنجليز على وجه الخصوص، ولا يدري "يحيى حقي" أن الزمن سيدور، وتصبح مصر بعد سنوات من إقامته في جدة لها هدف رئيس أن تكون عجلة إنتاجها ومرافقها مصرية خالصة، وبناء على ذلك أصبح القطاع العام لاعباً رئيساً في أوجه الحياة الاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية كافة، عكس ما كان سائداً في تلك الأوقات، حين كانت الرأسمالية المصرية والأجنبية محركاً رئيساً للسوق ولأوجه الحياة كافة!

ولمس "يحيى حقي" جانباً مهماً، وهو يتجول في مكة والمدينة، وهو درجة عمق تعلق العابد بمعبوده أو رموزه الدينية، فالمقيم في مكة قد تمضي عليه أيام دون أن يصلي في المسجد الحرام، بينما الحاج القادم من الهند أو جاوة أو إفريقيا يقضي الساعات الطوال عابداً متبتلاً ولا يرحل هؤلاء الحجاج بعد انتهاء مناسكهم بسهولة!






مواد ذات صله

Image

أخضرنا.. قاهر الصعاب

Image

(الأخضر) والدوري السعودي

Image

نكبات الحياة.. ومفاجآتها

Image

الساحات المفقودة

Image

دقت طبول معركة الوعي 2 - 2

Image

الاحتياطات.. ضمان لنا والعالم







التعليقات

1

 ناصر بن محمد

 2019-01-11 10:51:07

اتمنى ان ارى لك كتاب يحمل عنوان رجال مروا من هنا او رجال مروا امامي فمثل هذي القصص من الظلم ضياعها بمقالات تنسى مع الايام وشكرا لك