إن من العجب أن ترى في وسائل التواصل الاجتماعي من مارس السلطة العامة، فَرَصَدَ ووجّه التهمة ثم حَكَمَ ثم نَشَرَ وشهّر، وهذا أقصى ما يمكنه أن يفعله، ومن الواضح أنه لو أُتيحت له الفرصة وتمكّن من ذلك لنفّذ حكمه، فسَجَنَ وغَرّمَ وعزّر..

من فضل الله تعالى على هذه الأمة المحمدية أن اختار لها هذه الشريعة الخالدة التي تصلح لكل زمان ومكان، وتفي بجميع متطلبات الحياة الكريمة؛ لأبنائها على أصلين عظيمين هما: جلب المصلحة وتكميلها، ودرء المفسدة وتقليلها، وإن من المفاسد التي تصدّت الشريعة لدرئها مفسدة الفوضى والانفلات؛ وذلك لأن الفوضى من أكبر ما يمهّد السبيل لجميع المفاسد الدينية والدنيوية، وأخطر ما يهدد كيانات المجتمعات، والأمر فيها كما قال القائل:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم :: ولا سراة إذا جهالهم سادوا

ومن مظاهر تصدّي الشرع الحنيف للفوضى إيجاب منصب الولاية العامة، والأمر بطاعة ولي الأمر، والنهي عن شق عصا الطاعة، وجعل مقاليد الأمور العامة سواء كانت دينية أو دنيوية منوطةً بالسلطة ممثلة في ولي الأمر، أو من يوليه إحدى هذه المهام، ويجب اعتبار هذه الخصوصية والنظر إليها بعين الاحترام، ولا يجوز التعدّي عليها بأي نوع من أنواع التعدّي، ومن هنا مسّت الحاجة إلى التنبيه على بعض أنماط التعدّي على اختصاصات الدولة، فمنها:

أولاً: من التعدّي على سلطة الدولة: منازعة ذي السلطة سلطته بأيّ نوع من الأنواع، والمنازعة أنواع متعددة أخطرها: الخروج على وليّ الأمر، ونزع يد الطاعة منه، وهذا لا تكاد حُرمته تخفى على أحد، وإنما يتعاطاه أحدُ رجلين: إمّا من لا يأبَهُ بالأوامر والنواهي الشرعية، وإمّا من أُشرِبَ قلبه الأهواء، فصار عنده الحق باطلاً والباطل حقاً.

ثانياً: من صور التعدّي على اختصاصات الدولة التي يقع فيها كثير من الناس: الاستهانة بالأنظمة والتعليمات الصادرة عن الجهات الحكومية، وعدم التقيّد بها، فإن من اختصاصات الدولة أن تجري الأمور النظامية على نسقٍ معينٍ، ومن تجاهله فقد ادّعى بلسان حاله أن له الحق في إجرائها على نسقٍ آخر، وهذا تعدٍّ صارخٌ، وتجاوزٌ كبير.

ثالثاً: تقمّص دور الدولة، والتطفّل على مسؤوليات أجهزتها، والاستقلال بتعاطي الأعمال التي هي من صميم تلك الأجهزة من غير تكليفٍ منها، وهذا من أخطر أنواع التعدّي على اختصاصات الدولة؛ فإن مؤسسات الدولة لها صلاحيات متنوعة حسب ما منحها ولي الأمر فجهةٌ ترصد الأخطاء وتضبط، وجهةٌ توجه التُّهم وتحيل للمحكمة المختصة، وجهةٌ تفصل وتحكم، وهذا تمام العدل لكن العجيب أن نرى بعض الناس في مجالسهم يتعاطون هذه المهام بكل استرسال، وقد كان الأثر السلبي لهذا شبهَ محدودٍ قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، لكن بعد ظهور هذه الوسائل وشيوعها بهذا الشكل صار هذا التعدّي تشويشاً حقيقياً على عمل الجهة التي حصل في اختصاصها، فإن من العجب أن ترى في وسائل التواصل الاجتماعي من مارس السلطة العامة، فَرَصَدَ ووجّه التهمة ثم حَكَمَ ثم نَشَرَ وشهّر، وهذا أقصى ما يمكنه أن يفعله، ومن الواضح أنه لو أُتيحت له الفرصة وتمكّن من ذلك لنفّذ حكمه، فسَجَنَ وغَرّمَ وعزّر؛ إذ لو كان مُحتَرِماً لحقِّ الدولة في تنفيذ هذه الصلاحيات السيادية لاحتَرَمَ حقّها في الرصد والمتابعة وتوجيه الاتهام والحكم والتشهير؛ لأن الجميع حقوق خاصة بالدولة لا دخل لأحدٍ بها إلا في حدودٍ ضيقةٍ كأن يعرض على أجهزة الدولة بالأسلوب الشرعي، والإجراء النظامي مُشكِلَةً اطَّلعَ عليها؛ لتعالجها هي بطريقتها الخاصة.

وقبل الختام ينبغي التنبيه على أن التعدّي على خصوصيات الدولة بالتطفّل على مزاولة عملِ أجهزتها لا يخلو فاعله من أمرين:

الأول: أن يكون دافع الفاعل الغيرة الزائفة، وفي هذه الحالة يقع في محذور آخر وهو الاستهانة بجهة الاختصاص التي اقتحم مجالها، والتلميح الضِّمني إلى عدم الثقة في كفاءة منتسبيها، وأن الأمانة التي استحفظوها بصددِ أن تتعرّض للضياع، وأن عليه أن يتولّى الموقف وينقذها، وهذا استخفافٌ بكفاءة منتسبي تلك الجهات الحكومية.

الثاني: أن يكون دافعه التَّشهِّي، أو الفضول فيقع في محذورات كثيرة بعضها بدهيٌّ، ومن الخفيِّ منها: التشويش على أعمال الآخرين، وعرقلة سيرها، وكلا الاحتمالين لا يخلو صاحبه من إضاعة لوقته فيما لا يمكنه أن ينجز فيه، وقد غاب عنه أن وضع إدارة الشؤون العامة في أيدي السلطات المعنية تدبيرٌ شرعيٌّ لفسح المجال لعامة الناس للاشتغال بما ينفعهم من علومٍ وتجاراتٍ وصنائعَ وحِرَفٍ، وكل هذه أمور من الضروري أن توجد فئة تعتني بكل منها، ويرجع إليها فيها، ولولا جهود السلطات بعد توفيق الله تعالى في سدِّ الثغور التي تسدُّها لم يتمكن الناس من الاشتغال بأمورهم الخاصة، ولاخْتَلَّ نظام الحياة.