تجاوباً لما نشرته «الرياض» في العدد رقم (13444) بعنوان (فتاة تعثر على مجسم لرأس شخصية تاريخية في أحد كهوف شدا بالباحة) فقد حضر الى منطقة الباحة الوفد الزائر من وكالة الآثار بوزارة التربية والتعليم ممثلاً بالدكتور عوض السبالي والدكتور محفوظ بن سعيد الزهراني بمرافقة «الرياض»، وباحث الآثار بالباحة عبيد الزهراني، وعدد من الاكاديميين والباحثين، وقام الوفد بزيارة مدير عام التربية والتعليم بالمنطقة الاستاذ مطر بن أحمد رزق الله حيث قام باستقبال الوفد بمكتبه بالباحة، بعد ذلك انطلقت المسيرة نزولاً من سراة المنطقة عبر السهول الساحلية الممتدة من منحدرات جبال السراة الى تهامة منطقة الباحة مما يلي المخواة من الجهة الشمالية الغربية بمسافة 45 كم. وتلك النواحي من منطقة الباحة تكتنف في جنباتها العديد من المواقع الاثرية.

وفي هذا الخصوص بين الدكتور عوض السبالي اهمية هذه المواقع المجاورة للمدن الاثرية المطمورة تحت الرمال مثل مدينة عشم، والنصيبة، ومسعودة وقربها من جبل شدا الاعلى موقع الكهوف الاثرية من اجل تفحص نوعية الصخر ومقارنة ذلك بجبل بثرة الذي يسمى ايضاً الجبل الابيض، وجبل ابراهيم ببني مالك، وهو موقع تمثال الوجه المنحوت والذي طرحته جريدة «الرياض» وتسلمته وكالة الآثار بوزارة التربية والتعليم.

وأوضح الدكتور عوض السبالي ان الرسوم التي تملأ أسقف هذه الكهوف قد تميزت عن غيرها، وذلك بتجسيد الطابع التقليدي للزي والرقصات الفلكلورية التي تبدو وكأنها تمثل التراث القديم، بيد انها تمثل بعض الطقوس والشعائر لانسان الكهوف. واوضح الدكتور السبالي ان هذه الرسوم تعود للعصر البرونزي. وهنا يتضح انه لا علاقة للتمثال بهذه الكهوف نظراً لعدم وجود الرابط الزمني او البيئي وكذلك الحضاري.

بعد ذلك توجه الوفد الى مدينة عشم الاثرية حيث تحدث الدكتور السبالي بايجاز عما تحمله مدينة عشم من مقومات وكنوز اثرية تلبي شغف الباحث، مبيناً ما تميزت به من تقدم حضاري احتوته أطلالها واستدل بازدهار الصناعة، والتجارة لهذه المدينة الاثرية وقال:

مدينة عشم الأثرية:

تقع مدينة عشم الاثرية جنوب شرق وادي دوقة بمسافة 45 كم جنوب غرب مدينة المخواة وبها ترقد مدينة اثرية تحت الكثبان الرملية لم يبق من معالمها إلا بعض الركام الحجري لاطلال مبانيها وتتناثر القطع الفخارية للاواني والقطع الزجاجية الملونة لزخارف القباب والمصابيح والآنية على جنبات الطرق المجاورة لهذه المدينة اضافة الى العديد من الاصداف البحرية واحجار الآجر والجص والمطاحن الحجرية المخصصة لطحن المرو والتعدين، ويتضح من مخلفاتها الاثرية انها مدينة ازدهرت فيها الصناعة وتفوقت في مجمل المجالات الكيميائية المطبقة على اعمالهم التقنية المتحضرة المتمثلة في فصل الذهب عن النحاس والمعادن الاخرى واستخراج الزئبق من المرو واستخدامه وصناعة الزجاج المنتشر الملون من الرمال الزجاجية المحيطة بهذه المدينة الاثرية. كذلك السمات الخطية المنقوشة على شواهد المقابر والتي تشير الى التقدم الثقافي والعلمي وكذلك التاريخي للسكان والتي يعود معظمها للقرن الهجري الاول، ويربطها بمكة المكرمة طريق الحج والتجارة القديم والذي كان يربط اليمن جنوباً بالحجاز ومكة شمالاً، حيث كانت تقوم عبر هذا الشريط الساحلي رحلتا الشتاء والصيف.

قرية مسعودة الأثرية:

ثم استأنف الفريق رحلته الى قرية مسعودة الاثرية والتي تلي مدينة عشم من الجهة الشمالية بنحو 10 كيلومترات وتعد ضاحية من ضواحي عشم. واوضح الدكتور السبالي ان هذه القرية تأثرت بحضارة عشم، وذلك ان السكان هنا اعتمدوا على المقومات الزراعية والتعدين إلا ان هذه الضاحية اقل تحضراً من عشم ويتوفر بها بعض النقوش التي تعود لأوائل العصر الاسلامي. وبها بئر مبنية من اسفلها الى أعلاها بأحجار دائرية مرتصة متناسقة البناء يصل عمقها الى 30م تقريباً وقطرها لا يتجاوز المتر الواحد.

ومن جانبه بين الدكتور محفوظ بن سعيد الزهراني في مداخلته مع الدكتور السبالي: ان القرى الاثرية في منطقة الباحة تمثل ثلاث احقاب تاريخية، ويمكن قراءة التدرج التاريخي من خلال المواقع، حيث نلاحظ ان استقرار مستوطني القرى المرتفعة في قمم الجبال يدل على الحقبة الزمنية الاقدم، ويدل علو المكان على افتقار تلك القرى للأمن وانها مرت بفترات حروب واغلبها يعود لما قبل الاسلام.

ثم يلي ذلك القرى الاثرية التي تتوسط الجبال في المكان حيث ان ذلك المؤشر يفيد عن انتقال وتحضر وعودة النواحي الامنية التي لا توجب التحصن والبحث عن الجبال الشاهقة والسكن على حواف المرتفعات، ويأتي في آخر المراحل انتقال السكان الى جنبات الاودية، وذلك في عصر تأسيس الدولة السعودية حيث استتباب الامن وانتشار العدل بين الناس واستقرارهم نفسياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً.

مقطع الرحي:

ثم استأنف الحديث والشرح الدكتور عوض السبالي حول موقع (مقطع الرحي) وبين انه جبل ضخم من ضواحي عشم على بعد 2 كم من قرية مسعودة وتتكون احجاره من الصوان الصلب وتتناثر الرحي «الارحاء» على جنبات الجبل بأعداد كبيرة ومن هذا الجبل تصنع هذه المطاحن الحجرية المستخدمة للتعدين ومنها العشرات ملقاة على جنبات الطرق ومن أقرب المعالم لهذا الموقع جبل عملاق ومشهور يسمى جبل «دهو».

الخلف والخليف:

كما قام الوفد بعد ذلك بزيارة لقريتي الخلف والخليف، وتقعان في محافظة قلوة حيث بين الوفد انهما موقعان لمدينتين متجاورتين تفصل بينهما مسافة تقدر بحوالي 2 كم تقريباً، عثر فيهما على بقايا احياء سكنية وبقايا مسجد الخلف المربع الشكل بطابعه التحصيني من حيث ارتفاعه وسماكة جدرانه، وطراز البناء المكون من حجر الآجر المقبب ذي الاعمدة الاسطوانية الفريدة، وينتشر في الموقعين مقابر عديدة اضافة الى نقوش خطية عثر فيها على 27 نقشاً تغطي فترة زمنية تمتد من النصف الاول للقرن الثالث الهجري وحتى النصف الثاني من القرن الخامس الهجري وجميعها منقوش بالخط الكوفي المتدرج من البسيط الى المورق ثم المزهر، واشار الدكتور عوض السبالي الى ان الأستاذ الدكتور أحمد بن عمر الزيلعي سبق ان الف كتاباً عن هاتين القريتين وكان له السبق في الدراسة التفصيلية المصورة المدعومة بقراءة النصوص المكتوبة وتحليلها أدبياً ومن نواحي السمات الخطية والتاريخية.

تمثال الوجه المنحوت:

الجدير بالذكر أن «الرياض» سبق ان قامت بتسليم وجه التمثال الذي كان يمثل نحتاً قيماً لوجه امرأة بعد ان عثرت عليه فتاة في رحلة عائلية، وحضر شقيقها الى مكتب جريدة الرياض بالباحة، وقامت «الرياض» بنشره، وتجاوب مع طرح الرياض، وكالة الآثار بوزارة التربية والتعليم، حيث حضر الوفد مسبقاً وتسلم الاثر من مندوب «الرياض» وحول هذا الشاهد الاثري، فقد اوضح الوفد ل «الرياض» ان المتخصصين استكملوا دراسة هذا الاثر او الشاهد الاثري وتبين انه مقلد لحضارة تعود للقرن الثاني قبل الميلاد، واوضح الوفد انه تبين لهم انه ليس من حضارات شبه الجزيرة العربية، ويرجح أن يكون تم جلبه عن طريق قوافل الحجاج القديمة إلى الجزيرة العربية، وبقي في مكانه الذي وجد فيه وهو (جبل بثرة ببني مالك المجاورة لقبيلة دوس من الناحية الشمالية الغربية) وليس كما ذكر سابقاً عن طريق ذوي الفتاة أنه وجد في جبل شدا، بل إن الوفد قام بزيارة ذوي الفتاة التي عثرت عليه للتحقق جيداً من موقعه الأصلي وتبين أنه وجد في جبل بثرة ببني مالك وهو يمثل خليطاً من الفنون لحضارات متداخلة وبالتالي فهو ليس موحداً لفن معين مما يدل على أنه مقلد.

وادي عُليبّ:

بعد ذلك توجه الوفد برفقة «الرياض» إلى وادي عليب التاريخي والذي يبعد عن مركز الحجرة بنحو عشرة أكيال، ولهذا الوادي شهرته التاريخية، وقد تغنى به الشعراء على مر العصور وذكر في مواضع تاريخية وأدبية كثيرة ومنها قول الشاعر أبودهبل:

فما ذر قرن الشمس حتى تبينت

بعليب نخلاً مشرفاً ومخيما

ومن جانبه أوضح الدكتور عوض السبالي أن وادي عُليب يعد واحداً من أضخم أودية تهامة بمنطقة الباحة، وتصب مياهه في البحر الأحمر، وهو في الدرجة الثانية في الحجم والطول بعد وادي دوقه، وموقع وادي عليب شمال بلدة الحجرة بنحو 10 أكيال تقريباً، ويبدأ مسيله من إصدار أبا الحكم في بني كنانه بزهران ويخترق الليث ودار الأشراف حتى البحر غرباً.

وبعد انتهاء رحلة الوفد التي استغرقت يومين كان الاتجاه نحو السراة صعوداً حيث قرر الجميع ختام الزيارة بطريق الفيل الواقع شمال شرق وادي جرب بمحافظة العقيق.

طريق الفيل:

وبين الوفد أن طريق الفيل من أهم المواقع الأثرية في منطقة الباحة، وقام برصفه أبرهة الأشرم ليتخذه طريقاً للوصول إلى الكعبة المشرفة قبلة المسلمين لهدمها لكن الله عز وجل غالب أهلكه وقومه، ويقول الحق تبارك وتعالى {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل.. الآية) ويقع طريق الفيل في الشمال الشرقي من منطقة الباحة ويبعد عن بلدة جرب بحوالي 24 كلم أي أن المسافة من الباحة إلى بداية الطريق تقدر بحوالي 70 كلم.. ويلاحظ المشاهد لهذا الطريق مدى قوة أولئك القوم وصبرهم على رصف الطريق بأحجار مستديرة لتذليلها لوطء الفيلة وقوافل الجمال الناقلة لعتادهم لمسافات طويلة، كما تضم الأحجار المرصوفة على جنبات الطريق العديد من النقوش والخطوط الحبشية.

الحصون والقلاع:

وفي ختام الزيارة شكر الوفد جريدة «الرياض» على حسن استقبالها للوفد ومرافقتها لتغطية رحلة البحث الاستطلاعية، كما توجهوا بالشكر لمدير عام التربية والتعليم بالمنطقة الأستاذ مطر بن احمد رزق الله على حسن استقبال وتسهيل مهام الفريق.

وبيّن الوفد ل «الرياض» ان منطقة الباحة تعد ميداناً خصباً لإعداد البحوث كونها تكتنف العديد من المواقع الأثرية ابتداءً من إنسان ما قبل التاريخ وانتهاء بتاريخ وحضارة إنسان ما قبل تأسيس الدولة السعودية مثل تلك المنظومة من القلاع والحصون التي يعود الكثير منها إلى أوائل القرن الهجري الأول، وبيّن الوفد ان بالمنطقة ما يربو على 80 حصناً موزعة على القرى بالمنطقة.. وقد بنيت هذه الحصون في حقب تاريخية بعيدة بهدف حماية القرى والأودية الزراعية.. كما استخدمت كمزولة فلكية لمعرفة ابراج المواسم الزراعية وفترات الزراعة والحصاد والأمطار إضافة لاستخدامها كسجون ومخازن للمحاصيل الزراعية.. وينبغي الحفاظ عليها لتظل شاهداً وميداناً خصباً للباحثين، وميداناً لتعليم الأجيال وتعزيز مفهوم الانتماء للوطن وما آلت إليه المملكة من تقدم.