يتميز التعليم اليوم بأنه الوجه الخفي والحقيقي لعملية التحديث، بل إن المشروعات التطويرية التي يشهدها المجتمع وفي مقدمتها رؤية 2030 تراهن وبقوة على التعليم من أجل تفعيل متطلبات صناعة جيل جديد قادر على تحقيق الأهداف..

إذا كان هناك مفاتيح يمكن الحديث عنها في عملية التحديث التي تشهدها المملكة خلال المرحلة الحالية، فإن أهم وأغلى هذه المفاتيح سيكون هو التعليم بالتأكيد، فكل الحضارات لم تستطع أن تقفز في عمليات التحول إلا من خلال استراتيجيات تعليمية جادة، التعليم اليوم لم يعد عملية تفاعل مباشر بين مرسل ومتلقين، المعملون والمعلمات والأستاذة في الجامعات بجميع أجناسهم وحتى التعليم التقليدي الذي لا يخضع لأنظمة التعليم، كل هؤلاء ارتبك دورهم التربوي والتعليمي خلال السنوات الماضية بفعل التحولات التي يشهدها العالم وتحديداً في الجانب التقني الرقمي.

عملية التعليم أصبحت أكثر اتساعاً وأكثر تعقيداً أمام ممارسي هذه المهنة، كما أن العلمية التربوية تكاد تختفي مع التحولات العالمية، فالتربية تنفصل تدريجياً عن التعليم، وتتحول إلى قوالب يمكن للتقنية أن تمنحها للطلاب على شكل جرعات متفرقة من خلال الفضاء الكبير لعالم التقنية، هذا العالم المنحاز ثقافياً نحو الدول المتحضرة أكثر من غيرها.

يعاني العالم اليوم من فهم مرتبك حول قدرة الدول على السيطرة على التقنية التي أصبحت أهم أدوات العملية التعليمية، وظهر تناسب طردي بين درجة التحضر وبين فهم التقنية، فالدول المصنفة في العالم الثالث والرابع تمارس التعامل مع التقنية وأدواتها كونها أدوات تسهل الحياة وتجعلها أكثر مرونة، بينما تغفل تلك الدول الآثار الحقيقية التي تتركها التقنية على المجتمعات، ولعل أكثر المخاوف التي يمكن الحديث عنها في هذا الجانب تتمثل في تأثيرات "الفجوة الرقمية" على المجتمعات الأقل حضوراً في الفضاء الرقمي.

التعليم في المملكة وخلال الثلاث السنوات الماضية مازال يحاول المرور في عملية تحديث وثورة على الانقسام الأيديولوجي الذي كان سائداً في البيئة التعليمية، وفي ذات الوقت كان يواجه الثورة الرقمية التي تجتاح العالم بشكل تدريجي، مما جعل الكثيرين يعتقدون بشكل كبير أن التقنية تسهل عمليات التعليم أكثر من تعقيدها، ولكن لا أحد يثبت اليوم أن التعليم التقني يؤدي كل ما يقال عنه من قدرات في العملية التعليمية.

السؤال المهم يدور حول الفلسفة التي نرغب في استثمارها من عملية التحديث التي نمر بها، الانطلاق بلا سرعات محددة في عملية التحديث يشكل خطورة كبيرة على عملية إعادة إنتاج الثقافة، وفي المقابل فإن الحذر الشديد في العملية التحديثية يؤدي إلى ذات النتيجة، ولعل السؤال الذي يمكن إنتاجه من جديد يتمثل في إعادة بناء السياسات التعليمية؛ لنحدد فعلياً ماذا نريد من التعليم أن يمارسه في تشكيل العقول القادمة إلى عالم من المتغيرات الاجتماعية، التي تفضي إلى مساحات مفتوحة من القيم السياسية والاجتماعية والثقافية، لذلك فإن عملية التحديث في التعليم يجب أن ينظر إليها من جانب المسؤولين عن التعليم على أنها عملية انضباط ثقافي واجتماعي وسياسي بالدرجة الأولى، كما يجب أن ينظر إلى عملية تحديث التعليم كونه مشروعاً للدمج الاجتماعي بالدرجة الأولى.

سؤال آخر أعتقد أنه من المهم الإجابة عنه: هل العملية التحديثية للتعليم تعيد إنتاج الثقافة كما يرغب المجتمع العميق بها، وكيف تؤثر العملية التعليمية التي تخضع للتحديث على المسارات الاقتصادية والخيارات المهنية والتوافق مع سوق العمل؟، سؤال آخر يقول: هل تحتوى عملية التحديث التي يخضع لها التعليم حالياً سياسات يجب إنتاجها لضمان مسار دقيق للمنتج النهائي للعملية التعليمية؟

عبر التاريخ مر التعليم خلال العقود الأربعة الماضية بإنتاج طغت عليه المتغيرات الأيديولوجية التي كانت ترى أن التعليم عملية بناء ثقافي يجب أن تكون محصورة في محيط جغرافي محدد وفي محيط اجتماعي مغلق، وهذا ما أنتج فلسفة الخصوصية وغيرها من المنتجات الأيديولويجة التي مازال المجتمع يعاني منها، اليوم يتميز التعليم بأنه الوجه الخفي والحقيقي لعملية التحديث، بل إن المشروعات التطويرية التي يشهدها المجتمع وفي مقدمتها رؤية 2030، تراهن وبقوة على التعليم من أجل تفعيل متطلبات صناعة جيل جديد قادر على تحقيق الأهداف.

التعليم دائماً وأبداً في كل المجتمعات وجه خفي بعيد عن الصور اللامعة في المجتمع سواء سياسياً أو ثقافياً، ولكنه يفاجئك بنتائجه التي تؤثر وبشكل كبير على صناعة المجتمع وإنتاج ثقافته، ولقد مررنا بتجربة قاسية خلال العقود الماضية أثبتت لنا أن التعليم وجه خفي لا بد من رؤيته بوضوح لضمان أنه يسير في المنطقة المخصصة للسير سواء سياسياً أو ثقافياً أو اجتماعياً، التعليم بطبيعته الفلسفية يعتمد في مخرجاته على التوازن الفكري، وليس التأرجح بين اليمين واليسار أيديولوجياً.