لم تعد الإشارة الأولى التي ينبئك بها مرافقك السياحي في شارع إدجور رود في لندن هي حالة الطقس التي تصادف فترة قدومك، أو ما يضمه الشارع من امتدادات توصلك إلى البيكاديللي أو حتى محطات مترو الأنفاق، كلا فبمجرد أن يتأكد أنك عربي، وبعد أن تتجاوز معه الإشارة الثالثة من أسفل الشارع إلى أعلاه سيشير لك إلى ثلاث بنايات ضخمة، يحدد أوسطها لك، ثم يخبرك بأن سعاد حسني الفنانة المصرية انتحرت من هذه الشرفة، لقد كان يوما عصيبا في هذا الشارع، ولأنه في لندن فكثيرون ممن يقطنون في الشارع لم يعلموا بالخبر إلا من محطات التلفزة التي سارعت إلى نقله من موقعه وفي حينه . لم يكن شارع إرجور رود بحاجة إلى حادثة عربية كهذه ومن فنانة عربية شهيرة لكي يكتسب صبغة عربية، أو يصبح أرضاً لذكرى عربية كهذه،

فالذين يعرفون لندن جيدا يدركون أن الصيف هو الفترة العربية المكثفة في هذا الشارع، حيث تجوب العباءات السوداء وغطاءات الرؤوس جانبي الشارع وهي الفترة التي ساهمت في تشكيل عروبته غير المنضبطة حيث يتحول هذا الشارع صيفا إلى نقطة يتجنبها كثير من البريطانيين، وتكثف فيها دوريات الشرطة (الاسكوتلنديارد) من حضورها، فالمخالفات المرورية وحالات الزحام وغياب الالتزام بطوابير الانتظار أمام محلات التذاكر، والسيارات الفارهة التي تذرع الشارع في كل اتجاه، والملابس الغريبة على هيئة ذلك الشارع، كلها مظاهر صيفية عربية يعرفها شارع إرجور رود. لا يهتم البريطانيون كثيرا بهذا الشارع صيفا، ويقول أحدهم بأن الآباء والأمهات البريطانيين يحذرون أبناءهم من الذهاب إلى هذا الشارع صيفا .لا يمكن لك أن تقيس مشوارا واحدا تقضيه في هذا الشارع بغيره، فكر أن تتسوق من أحد المحلات التي تعلو واجهاتها كتابة عربية، ستجد أنك أمام موقف يمكن أن يتكرر معك في بيروت أو القاهرة، فمعظم المحلات العربية في هذا الشارع تكاد تشهد خلوا تاما من الزبائن البريطانيين أو غير العرب، لا تستغرب إذا داهمت سمعك أصوات شجار بين رجلين من جنسية واحدة، ربما كان الخلاف على قيمة دفع أو مبلغ في فاتورة، وهي الحالات التي لا يمكن أن تشاهدها إذا ما كنت في أي محل آخر ذلك أن الأسعار وشكل البيع والشراء واضح ومحدد، يقول محمد إسفين (مغربي) : لا تستغرب أن المطاعم المكتوب عليها بأنها تبيع لحوماً مذبوحة على الطريقة الإسلامية، وتضخم على واجهتها كلمة (حلال) قد لا تكون كذلك، وقبل قرابة العام اكتشفنا أحد المطاعم العربية التي تعلن دائما أنها تبيع لحما حلالا لم يكن كذلك، وكما تعلم فهنا لا تعتبر هذه الحالة مخالفة ولا يمكن لك أن تشتكي هذا المطعم مثلا، هنا كثير من المسائل والصفات والمواقف العامة والالتزامات تقوم على ما هو أخلاقي وقانوني، وهذا يجعل من هذا الشارع عالماً من الخروقات والمتناقضات .

يندر أن تجد بريطانياً أو أجنبياً يتعامل مع هذه المطاعم، وحين تدخل إلى مطعم عربي قد لا تسمع كلمة أجنية واحدة، فيما تنبعث روائح الأراجيل من أكثر المطاعم دون تفريق بين صالات الطعام وصالات التدخين، وتنبعث أصوات أجهزة التسجيل بأغان وموسيقى كتلك التي تسمعها في سيارة سائق أجرة حين تستقلها ما بين دمشق وبيروت مثلا .

إذا قررت أن تسهر في هذا الشارع فتأكد أن ضريبة تلك الليلة ستكون الأعلى بين كل نزهك وتسوقك في لندن، حيث ستفاجأ بفاتورة تحمل سعرا إجماليا دون أدنى تفصيل وهو ما يعد مخالفة يتم استثمار نوعية الزبائن في حدوث تلك المخالفات فالقادمون من لا قانون يمكن أن يتم التعامل معهم خارجه أيضا .

حين شهدت بريطانيا أحداث السابع من مايو عاش كثير من العرب والمسلمين حالة من القلق مخافة أن يتعرضوا لمواقف معادية أو عمليات تمييز أو حالات اعتقال عشوائي، لكن شيئا من ذلك لم يحدث فالثقافة البريطانية أكثر شمولا واستيعابا من أن يحركها حدث واحد فتنقلب على أعرافها وقيمها التعددية، وشمولها لجميع الأخلاط والأعراق متمتعين بذات الحقوق، لكن الصوت العربي في لندن هو الذي لا زال بحاجة إلى أن يكون بريطانياً، ولربما أثبت هذا أن الثقافة جين تكويني أكثر من كونها مكانا أو ممارسة يومية، ويحتاج في تشكيله إلى أجيال أكثر من حاجته إلى حديث عن أهميته، فليس من دليل على أن التشكيل العربي لشارع الإرجور رود حركة واسعة بين نظام مروري وحياتي ومتقدم، وبين ذهنية عربية تقع أخطاؤها في هذا الشارع كل دقيقة، إنه الشارع الشاهد على سعة بريطانيا من جهة، وعلى مدى تحكم القيم العربية في رؤوس أبنائها مهما اختلفت الجغرافيا.