دوام العافية مثلاً نعمة ولكنها ليست نعمة مفاجئة، ولكنها نعمة مستدامة، ويغفل عنها كثير من الناس، وهي حقيقة تحتاج بعد شكر المنعم وحمده، إلى خطة عمل للمحافظة عليها، ما بين تنظيم غذائي ونشاط رياضي وتثقيف وقائي، ولا يقتصر الأمر على عافية الأبدان، فكذلك عافية الأوطان تحتاج إلى تضافر جهود الحاكم والمحكوم، وتقديم الأنفع على النافع، والمصلحة العامة للوطن على كل مصلحة خاصة....

قد يظهر لك شخص في حياتك فجأة، تتغير به ملامحها وأساسياتها، قد يكون ذلك الشخص حبيبًا أو قريبًا كابنٍ، أو التعرف بصديق فتحت لك به أبواب الخيرات، وقد يكون ذلك من الحظ العظيم، ولكنه النادر الذي لم يكن لك في صناعته يد ولا فكرة! ولا تجد أحدًا من العقلاء يعلق قلبه بهذه الحظوظ القدرية محضا إلا وتصاغرت همته في صنع مستقبله المدروس فكرًا ومجهودًا، فكل مَجدٍ وعُلا يحتاج ضرورة إلى سلم للصعود إليه، فالأرض لا تنبت شجرها بغير ماء، والماء لا ينزل بغير سحاب، وهكذا السحاب لا يأتي بغير كيت وكيت، فكلها أسباب متداخلة ومترابطة، جعلها الله كونًا وقدًرا مسببات لبعضها، وليس ذلك مناقضًا لأن يستعين العبد بالدعاء لتتيسر له طرق وسبل النجاح، فربما استجاب الله له وجاءته النعم "فجأة" وهو باذلٌ جهدَه، سالكٌ سبيلَه، لا متثاقل ولا متواكل.

وقد حث الإسلام على أن يكون العبد نشيطًا وحريصًا على نفع نفسه، كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم "احرص على ما ينفعك ولا تعجز"، وهو أمر غاية في الأهمية، أن يضع المسلم هدفه نصب عينيه ليمضي إليه من أخصر وأيسر الطرق المتاحة.

وما تقدمت تلك الشعوب التي توصف بالمتقدمة في علومها وصناعاتها إلا بوضع الأهداف لأجيالها، وتسهيل السبل إليها على أساس "المسببات بأسبابها"، فلن تأتي نتيجة صحيحة بغير مقدمة صحيحة، ولن يأتي العلم بغير تعلم، ولن يتفجر الإبداع بغير عقول، ولن تكون عقولٌ بغير تدرج في العلم والإفهام والتحصيل مع الصبر والمثابرة واليقين، ولله در الحكيم:

فقل لمن يبغي العُلى فجأةً

أَيحصدُ المرءُ ولم يَزرَعِ

ودوام العافية مثلاً نعمة ولكنها ليست نعمة مفاجئة، ولكنها نعمة مستدامة، ويغفل عنها كثير من الناس، وهي حقيقة تحتاج بعد شكر المنعم وحمده، إلى خطة عمل للمحافظة عليها، ما بين تنظيم غذائي ونشاط رياضي وتثقيف وقائي، ولا يقتصر الأمر على عافية الأبدان، فكذلك عافية الأوطان تحتاج إلى تضافر جهود الحاكم والمحكوم، وتقديم الأنفع على النافع، والمصلحة العامة للوطن على كل مصلحة خاصة، وكم هي الأوطان التي تُتَخَطف من حولنا؟! وليس بعد ذاك التخطف أحد غير أن جسدها لم يعد متماسكًا وقادرًا على دفع البلاء عن نفسه، فوقعت فيما تعوذ منه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك».

وعلى الجانب الفردي أيضًا فكم هي القصص والعبر التي تحكي نهايات مأساوية حتى لبعض الصالحين، وإن كان الأمر لا علاقة له بصلاح، بقدر علاقته بفجاءة النقمة، فقد لا تكون النقمة مسلطة ولكنها نتيجة لإهمال مجتمعي في أمر من الأمور يرجع أثرها على أفراد من أطفال ونساء وأمراض، وهذا ما يدعو المسلم إلى دراسة خطواته وأفعاله وأقواله على المستوى الشخصي في بيته، وعلى المستوى العام في مجال عمله، ليكون تصرفه تصرفًا مسؤولاً يصب في الصالح العام، ويدفع الله به كثيراً من الاختلالات الاجتماعية والثقافية أيضًا وحتى الطبيعية، فكم كان الفرد سببًا في إحداث التغيرات والحرائق والأدخنة، وغيرها، وهو عمل يسير تستصغره العين، ولكنه يجتمع مع غيره من الإهمالات حتى يكون الخطر عظيمًا، فإذا كان الإسلام يحاسب على مثقال الذرة من الخير والشر، وفي الحديث: "لا تحقرن من المعروف شيئا"، وفيه: "وإياكم ومحقرات الذنوب". فهذا يعني أن لمثقال الذرة، ولما يُحتقر من الذنب، أو من المعروف تأثيره العظيم في حياة المسلم في الدنيا والآخرة، وفيه قوة إحداث نقمة أو نعمة. هذا، والله من وراء القصد.