وسائل الإعلام لا توضح لنا ما يجري في العالم. فهي تنقل لنا أن هناك حربا تجارية بين الصين والولايات المتحدة، وأن هناك خلافات تجارية بين هذه الأخيرة والاتحاد الأوروبي، وأن روسيا تجرب أسلحة وصواريخ لا مثيل لها في العالم، ولكن هذه الأحداث يتم تداولها منفصلة عن بعضها، وهذا يشوه ما يجري ويخفي حقيقته.

إن الأحداث المشار إليها مرتبطة مع بعضها البعض، فنحن الآن نعيش مرحلة تشبه المرحلة التي كان يعيشها العالم قبل مئة عام، ففي العام 1919 كان العالم يعيش مثلما نعيش الآن مرحلة انتقالية، فبريطانيا العظمى التي بدت في العالم المشار إليه كما لو أنها القوة العظمى في العالم لم يكن يعكس الواقع، ففي ذلك العام كانت هناك أكثر من دولة تعزز مواقعها وتنازع المملكة المتحدة السيطرة على العالم وعلى رأسها ألمانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وهذا النزاع حسم بعد الحرب العالمية الثانية بتقاسم العالم بين واشنطن وموسكو.

بالمثل فنحن الآن نعيش مرحلة نزاع بين قوى وفضاءات اقتصادية ضخمة من أجل السيطرة على العالم وعلى رأسها أميركا والصين وأوربا وروسيا. إن كل الظروف مهيأة لنشوب حرب عالمية: فالنظام المالي والاقتصادي العالمي الحالي شبه مهتري مثلما كان عليه الحال في العام 1939، الذي أحرقته الحرب العالمية الثانية معها مفسحة المجال لقيام نظام اقتصادي آخر نعيش الآن آخر مراحله.

إن وجود الأسلحة النووية يحول دون نشوب حرب عالمية ثالثة ساخنة. ولكن ذلك لا يعني أن النظام الاقتصاد القائم سوف يستمر، فهذا النظام قد تآكل. ولذلك فإن الصراع بين الفضاءات الاقتصادية الضخمة سف يستمر بل ويزداد متخذًا أشكال مختلفة، وذلك من أجل مسح ما بقي من ذلك النظام وإعادة تحميل نظام اقتصادي آخر.

أن الحروب التجارية التي سوف تتطور إلى حروب مالية مثلها مثل وتائر التسلح الروسي المتسارعة كلها تعني أن العالم يعيش مرحلة انتقالية. وإن كل فضاء اقتصادي ضخم يرغب أن يصل إلى خط النهاية بعد 20 عامًا قبل غيره ليتزعم العالم. ولذلك فإن النظام الاقتصاد العالمي الذي سوف يأتي بعد هذه المرحلة سوف يعتمد على مدى القدرة والقوة التي تتمتع بها كل دولة عندما تصل إلى خط النهاية.

إن الصين ربما كانت تطمح أن تتفرج على الصراع الذي يدور بين الفضاءات الاقتصادية الضخمة لتصل هي وحدها إلى خط النهاية بعد أن يصيب الآخرين التعب. ولكن الولايات المتحدة تنبهت للأمر وإن جاء بشكل متأخر، ولذلك بدأت نزاعها الاقتصادي مع الصين لإنهاكها والحيلولة دون الوصول قبلها إلى خط النهاية.